المثقف العربي بين عولمة الثقافة والانحناء للعاصفة (1)

767

0

1- مقدمة

حظي مفهوم “العولمة” باهتمام واسع في الخطاب الثقافي العربي المعاصر، وتباينت الآراء حول العولمة كمصطلح أولاً وكعملية تمتد لتشمل الاقتصاد والتجارة الدولية ونظم الاتصالات والتنمية ثانياً.

انقسمت الآراء ما بين مدافع عن ظاهرة العولمة ويرى فيها طوق نجاة للخروج من مأزق الواقع العربي الراهن الذي لا يسر صديقاً، ومهاجم ينظر إليها كحلقة جديدة من حلقات الهيمنة والسيطرة التي ستطحن بين تروسها المجتمعات والدول الفقيرة والضعيفة.

ومن بين الكتب التي انصب اهتمامها على فهم وتفسير ظاهرة العولمة ومحاولة استشراف آفاقها وآثارها على الوطن العربي كتاب “ثقافة العولمة وعولمة الثقافة”* وهو مؤلف اشترك في صياغته: سمير أمين وبرهان غليون. أن هذا المقال لا يهدف إلى مناقشة ظاهرة العولمة أو تجلي مظاهرها السياسية والاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية، وإنما تركز أساساً على تحليل آلية التفكير في ظاهرة العولمة لدى النخبة المثقفة، كيف يقرأ المثقف العربي هذه الظاهرة؟ وما هي أدوات التحليل المستخدمة؟ وما تأثير المنطلقات الفكرية للمثقف العربي في رؤيته للعولمة؟ ماذا قدم الخطاب الثقافي من حلول تجاه العولمة وتجلياتها على الأصعدة المختلفة؟ وما مدى مقاربة أطروحات هذا الخطاب من الواقع؟

وقبل الإجابة من هذه التساؤلات نشير إلى الأسباب التي تقف وراء اختيار هذا الكتاب للمناقشة والنقد والتي تكمن في الآتي:

1- إن موضوعات العولمة والثقافة والتغير الاجتماعي مازالت تشغل حيزاً واسعاً من النقاش والجدال في الخطاب العربي المعاصر، ويعد هذا الكتاب نموذجاً مناسباً للتعرف على انشغالات المثقف العربي تجاه إحدى القضايا التي أثرت وتؤثر في صياغة الحاضر والمستقبل بما تطرحه من تحديات واستجابات.

2- إن مؤلفي الكتاب لهما إسهامات فكرية مميزة، وهما يمثلان تيارين فكريين سائدين في الثقافة العربية، فسمير أمين هو مدير منتدى العالم الثالث، وهي منظمة دولية مستقلة للبحوث تغطي إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وله أكثر من ثلاثين مؤلفاً تعالج قضايا الاقتصاد العالمي والمشاكل الاجتماعية التي تعاني منها مجتمعات العالم الثالث، وبرهان غليون أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون وله مؤلفات عديدة مترجمة إلى أغلب اللغات العالمية، وبالتالي فهما معنيان بحكم التخصص بظاهرة العولمة وتجلياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

3- اختلاف المرجعية الثقافية التي ينطلق منها المؤلفان، فسمير أمين ينتمي للتيار الفكري اليساري، وتدور معظم كتاباته حول نقد النظام الرأسمالي والتبشير بانهياره المحتوم نتيجة لأزماته الداخلية.

في حين يتربع برهان غليون على رأس قائمة الليبراليين العرب الذين ينادون بتمثل التجربة الغربية وإنجازاتها في الديمقراطية والليبرالية ومن الداعين إلى نقل هذه التجربة إلى الوطن العربي.

إن هذا الاختلاف الفكري بين الكاتبين يعد فرصة لعرض وجهتي نظر مختلفتين تجاه قضية واحدة.

2- الانحناء للعاصفة

يرى برهان غليون أن العولمة تعني: خضوع البشرية لتاريخية واحدة، ويمكن تلخيص العولمة في : كثافة انتقال المعلومات وسرعتها، هناك تأثير وأثر متبادلان ومستمران، يقودان إلى الاعتقاد بأن هناك ميلاً لآراء له إلى توحيد الوعي والقيم وطرائق السلوك وأنماط الإنتاج والاستهلاك، أي إلى قيام مجتمع إنساني واحد. (ص ص20-21).

ولكن هل العولمة حركة موضوعية “أي لا خيار لنا فيها” أم هي سياسات ذاتية من الممكن تجنبها أو مقاومتها للحفاظ على استقلالنا وحريتنا؟ يجيب برهان: إن العولمة “بنية” أي ترتيبات ومواقع مرسومة بفعل تضافر عوامل تاريخية موضوعية لا خيار للمجتمعات البشرية بها، إنها تستند إلى محرك مستقل هو الثورة العلمية والتقنية ولكن الحقيقة الموضوعية التي تفرزها التطورات التاريخية والمكتسبات التقنية والعلمية ليست مستقلة عن الإنسان لذلك “لا وجود للبنية الموضوعية العولمية خارج وعي الإنسان” (ص23).

ويمكن أن نتساءل بعد هذا التعريف الموجز: ما هو موقع الوطن العربي في نظام العولمة الجديد؟ يجيب برهان: إن الوطن العربي “العالم العربي حسب مفردات برهان” لا يتأثر كثيراً إذا رفض العولمة لأنه أساساً ليس عضواً في المنظمة العالمية التي تكونها، بل ولا في المنظمة العالمية المندمجة الرأسمالية والتقنية والعلمية.. إلا أن رفض العولمة –من جانب العرب- ستكون نتيجته الاستبعاد المتزايد من دورة الإنتاج والاستهلاك الدولية، أي من سيرورة التطور الحضارية الراهنة. (ص27).

والحل الذي يرتأيه برهان هو: عدم رفض العولمة لأننا سنعيش عندها خارج التاريخ، وإنما الانخراط في العولمة مع بلورة استراتيجية خصوصية للاستفادة من إمكاناتها، أي ضرورة مواجهة استراتيجية القوى الإمبريالية المسيطرة عليها والسعي إلى تفكيكها مع القوى العالمية الأخرى. (ص30).

ولمزيد من التوضيح يقول برهان في الصفحة 171 من الكتاب: إن الاستراتيجية المناسبة: الاندراج في العولمة والعمل مع قوى دولية واجتماعية وأهلية أخرى، تعيش شروطاً مماثلة أو مشابهة، على تكوين القوى العالمية والتكتلات والتجمعات الإقليمية وغير الإقليمية لتعديل بنياتها وجعلها “أي العولمة” أكثر تلبية لحاجات ومطالب الأغلبية الدولية، إن التحرر من التبعية والهيمنة يتم من خلال العمل على تغير قواعد العمل داخل نظام العولمة، لا على التصدي الشامل لها وانتظار انهيارها القادم.. لا يمكن درء مخاطر العولمة وهي كبيرة سوى بالاندراج فيها، تماماً كما هو الحال مع الانحناء للعاصفة. ص172، إن الترجمة الفعلية لهذه الاستراتيجية التي يقترحها برهان تتطلب –حسب كلماته وطرحه- إعادة النظر في جيوسياسة المنظومة الوطنية التقليدية، بما في ذلك موضوع السيادة الكلاسيكية، والانتقال من الاقتصاد الوطني إلى الاقتصاد القاري ومن الثقافة الماهوية “ثقافة الهوية وتأكيد الذات والشخصية” في وجه الجماعات الأخرى إلى الثقافة الإبداعية. (ص172)

وقبل الاستطراد في عرض رؤية برهان غليون نقف قليلاً لتأمل وتحليل الطرح السابق لما يتضمنه من أفكار مهمة وخطيرة في أنٍ، وتعكس تياراً فكرياً منتشراً على الصعيد الأكاديمي والإعلامي والثقافي.

نتفق بداية على فكرة أنه لا يوجد اثنان لا يتفقان على أن الواقع العربي الراهن هو في أسوأ حالاته، وأنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه فسوف يتحول العرب –في المستقبل المنظور- إلى جانب الديناصورات المنقرضة في متاحف العالم، وأن ما تطرحه العولمة من تحديات سيعجل من هذا المصير البائس، وأن النخب السياسية والثقافية مسؤولة عن الحال التي نعيشها.

ولنحصر الكلام حول أطروحة برهان في هذا الصدد، فالفكرة الأساسية التي يقدمها برهان حول ظاهرة العولمة تحمل تناقضاً في داخلها، فمن ناحية يشير إلى أن العولمة هي شرط موضوعي لا خيار لنا فيها، وبمعنى آخر لا نملك السيطرة عليها، ومن ناحية أخرى يقول بعدم وجود بنية موضوعية خارج وعي الإنسان. فمن أين يأتي هذا التناقض؟ وكيف نضعه في سياق أطروحة برهان؟

إن خطاب برهان – وكما سيتضح لاحقاً- يرى أن تقدم العالم العربي لا يكون إلا بالسير في الطريق الذي سار فيه الغرب، والعولمة – حتى وإن ترتبت عنها آثار خطيرة- ينبغي الاندماج بها لأنها –حسب طرحه- ظاهرة موضوعية، ويمكن إعادة صياغة هذا الطرح وفق المنطق الصوري على النحو التالي: العولمة نتاج الثورة التقنية وهي ظاهرة موضوعية، رفض العرب للعولمة سيضعهم خارج التاريخ، إذن ينبغي على العرب الدخول إلى نادي العولمة كشرط ضروري للبقاء.

أما عن الثمن الذي ينبغي دفعه للوفاء بشرط الانتماء لنادي العولمة فإن ما يقدمه برهان من حل يبدو مبهماً وغير واضح المعالم، ويتلخص بقبول العولمة والعمل من داخلها على تقويض هيمنة القوى الإمبريالية المسيطرة عليها من خلال التعاون مع القوى العالمية الأخرى، كيف؟ وما هي الآلية التي تدفع إلى تشكيل هذا التعاون الافتراضي؟ وهل الانخراط في العولمة يعني الاحتفاظ بالخصوصية التي تعد النواة اللازمة لتشكيل قوى مقاومة للهيمنة؟ هل هذا ممكن؟ بالطبع لا تجيب أطروحة برهان عن هذه الأسئلة، ومع ذلك، يقترح علينا إسقاط مفهوم السيادة الوطنية، والانسلاخ من الثقافة الماهوية أي “التخلص من فكرة العروبة” ونفض غبار الماضي، وهنا يبرز السؤال: هل نكون “نحن” وفق هذه الاشتراطات؟ وهل يمكن الحفاظ على الخصوصية الماهوية آنذاك؟

على الصعيد الثقافي – النفسي يشير برهان إلى أن موقف رفض السيطرة الثقافية والكشف عن آليات التبعية وتشديد الصراع ضدها هو المنبع الرئيسي لإرادة الاستقلال، ولكن وضع هذا الصراع في إطار الاعتراف بقصور ثقافتنا وتنظيماتنا هو الذي يدفعنا إلى توجيه نشاطنا ضد الهيمنة الثقافية.. أي لإعادة بناء الذات، لا للدفاع عنها والتغزل بمزاياها، فالمطلوب عدم التسليم بهامشيتنا الفعلية، وفي الوقت نفسه التجاهل النسبي لهذه السيطرة والتعامل مع الآخر من مستوى الندية، أي نسيان سيطرته علينا. (ص ص56-57).

إن الجبهة الرئيسية – كما يذكر برهان – في حرب السيطرة العالمية، هي جبهة المواجهة الثقافية الهادفة إلى التخفيض من قيمة الثقافات المنافسة، لدفع نخبها للتنصل منها، والانتماء إلى ثقافة العولمة الكسموبوليتية ص40. ونتفق تماماً مع هذه الفكرة، ونشير إلى أن أطروحة برهان تصب تماماً في هذا الاتجاه، فالطرح الذي يشمل فكرة الاعتراف بقصورنا وهامشيتنا “ونحن لسنا ضد النقد الذاتي” ونسيان هاجس التبعية والسيطرة في إطار العولمة هي فكرة غير قابلة للوجود بالفعل، وفكرة الاندماج في العولمة والتعامل بندية مع القوى المسيطرة والمهيمنة لا مكان لها على أرض الواقع، وأطروحة الدخول في نادي العولمة طوعاً أو كرهاً والعمل على تفكيك وتقويض بنيتها من الداخل هي أطروحة تنتمي إلى الفكر الرغائبي ولا تنتمي إلى الحقائق الموضوعية والتاريخية. فلا يمكن بأي حال تصور هذا “السيناريو” حتى في أكثر الأفلام أو الروايات إغراقاً في الخيال. أما فكرة إعادة بناء العالمية من أفق التعددية الثقافية بديلاً عن السيطرة العالمية أي إقامة مجتمع عولمي إنساني عادل فعلاوة على أنها فكرة طوباوية فإنها تشي بعدم فهم فكرة ومفهوم ومجال العولمة بالأساس. فأولى اشتراطات الدخول للعولمة، كما يذكر برهان نفسه، التخلي عن السيادة الوطنية “أو السيادة الكلاسيكية” حسب تعبيره واضمحلال أو تلاشي الدولة القومية لصالح سيطرة الشركات المتعددة الجنسية، ونزع السلطة السياسية والاقتصادية والرمزية عن المجتمعات، وإذا فقدت الجماعة “أي جماعة” تميزها الثقافي، فقدت هويتها كجماعة مستقلة واندمجت في غيرها، أن تعميم قيم السوق من خلال العولمة يحول الثقافة إلى سلعة، وبالتالي تهديد الهوية الثقافية أو ما يربط بين أعضاء مجتمع واحد ليجعل منهم جماعة متفاعلة متواصلة، ومن بين النتائج التي يمكن ذكرها أيضاً أن العولمة تقوم على خلق رأسمال ثقافي رمزي مستقل، وثقافة نوعية للنخبة العالمية الجديدة..

والسؤال الذي نطرحه في مواجهة أطروحة برهان هو:

إذا فقدت الدولة كيانها وسيادتها وارتهن قرارها السياسي والاقتصادي لصالح “الكارتلات” الاقتصادية الضخمة، وأعيد بناء الشرائح الاجتماعية الداخلية لتصبح أكثر توافقاً وانسجاماً في فكرها وسلوكها وإنتاجها واستهلاكها مع النخب العولمية وإذا انسلخت النخبة المثقفة عن واقعها بالانتماء إلى النخب العولمية وسادت ثقافة الجماعات المسيطرة بما تملكه من تقنية ورؤوس أموال وسيطرة على نظم المعلومات والاتصال وفقدت الثقافات المحلية طابعها الوطني في اتجاه الانفتاح على الدائرة الحضارية الكبرى، ونسينا أو تناسينا السيطرة المادية والرمزية لدوائر صنع القرار العولمي، أقول هل يمكن مقاومة وتفكيك العولمة حينئذ؟ وبأية أدوات يمكن إنجاز عملية فك الارتباط المزعومة؟ وبأية قوى ومن خلال أية ثقافة؟ إن الطرف الرابح في هذه المعادلة يعني خسارة الطرف الآخر، وهي قاعدة سياسية قديمة، ولا يمكن بأي حال أن تكون الأطراف كلها “المسيطرة والمسيطر عليها” رابحة، إطلاقاً، كما يحاول برهان إقناعنا بمنطق يحمل تناقضاته الداخلية، حتى لو كان تحت شعار الانحناء للعاصفة.

3- العولمة الاشتراكية

قد يبدو هذا العنوان الفرعي غريباً، ولكنه من نحت وصياغة سمير أمين وهذا المصطلح يلخص أطروحته ببناء ثقافة جديدة هي “عولمة الثقافة” بديلاً عن ثقافة العولمة.

يرى سمير أن ظاهرة العولمة هي مرحلة جديدة من مراحل تطور الرأسمالية، فالتوسع الرأسمالي على صعيد عالمي قد ظل خلال تاريخه الماضي وسيظل في المستقبل المنظور قائماً على تناقض متصاعد بين مراكزه وأطرافه، أي ظل يتسم بطابع استعماري تجلى في استقطاب متواصل ومتزايد، (ص61) وعالمية الرأسمالية رتبت ثقافة سائدة عالمياً، ذات طابع رأسمالي وليس “غربياً” هي “ثقافة العولمة” بحيث أن الخصوصيات المحلية أعيد تكوينها، فأصبحت لا معنى لها إلا من خلال فهم علاقتها بهذه الثقافة المعولمة الحاكمة.

ويضيف سمير: إن الرأسمالية لا تمثل نهاية التاريخ، ولابد من إحلال نظام آخر محلها أكثر تقدماً ويتيح تجاوز حدودها التاريخية، ولن يتحقق هذا التجاوز من خلال “العودة إلى الماضي” السابق على العولمة الرأسمالية، بل من خلال تطوير العولمة نفسها. (ص62).

وقبل أن نناقش هذا الحل المقترح، نشير إلى المأزق الذي تعيشه الشعوب غير الغربية –كما يصفها سمير- فهذه الشعوب أمام خيار ثنائي الأطراف لا احتمال ثالث لهما، فإما أن تقبل “القيم الغربية” كما هي في الرأسمالية القائمة بالفعل، أو أن تنغلق في خصوصياتها الثقافية الموروثة، أي يحدد خطاب الاستعمار شروط الخيار بحيث يضمن لنفسه الانتصار في جميع الفرضيات.. يستبعد الخيار الثنائي المطروح الحل الثالث الصحيح، أي “أن تشترك شعوب الشرق في تجاوز حدود الرأسمالية من خلال تطوير مفاهيم نضالية في مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة معا”. (ص98).

تتباين –من خلال هذا العرض- رؤية سمير عن برهان في تحليله لظاهرة العولمة، حيث أن الأول يعتقد –وفقاً لمرجعيته الفكرية- أن العولمة ما هي إلا حلقة أو “مرحلة” جديدة للنظام الرأسمالي في فرض هيمنته وسيطرته على الأطراف، ويتفق الاثنان على ضرورة إتباع سياسة تغيير “هوية” العولمة المنشودة.

يرفض سمير الانخراط في العولمة وتقبل القيم الرأسمالية، ويرفض أيضاً التمسك بالخصوصيات الثقافية المحلية لمواجهة العولمة وقيمها، والحل –كما يتصور سمير- هو تشكيل جبهة من “شعوب الشرق” وتطوير مفاهيم نضالية، أي الدعوة إلى المساهمة مع جميع القوى التقدمية على صعيد عالمي من أجل تطوير جميع الثقافات في الاتجاه المطلوب لإقامة “حضارة إنسانية عالمية صحيحة قائمة على مبدأ الديمقراطية واحترام التباين، إن عملية بناء هذه الثقافة الجديدة هي “عولمة الثقافة”، علماً بأن النظام المستقبلي المطلوب عالمياً لا يمكن أن يكون رأسمالي الطابع، ولا أجد اسماً مناسباً له سوى “الاشتراكية”. (ص213).

انتهى الاقتباس المأخوذ من أطروحة سمير، وقد أثبتناه بالنص لما فيه من أفكار تستحق المناقشة.

الملاحظة الرئيسية حول هذه الأطروحة أن سمير –رغم مكانته ووزنه الفكري- يناقش ظاهرة العولمة بأدوات تحليل ومفاهيم تعد من كلاسيكيات الاجتهادات اليسارية المتعددة، ولم يتم تطوير خطاب ومنهج تحليل جديد يتوافق مع ظاهرة العولمة بمستوياتها المعقدة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وتقنياً، فهو يعتقد أنه بالإمكان وجود “عولمتين” إحداهما ذات طابع رأسمالي وأخرى ذات سمات اشتراكية، وأنه بالإمكان تشكيل جبهة من شعوب الشرق تناضل لبناء حضارة إنسانية بديلة عن ثقافة العولمة، وبالطبع فإن هذه الجبهة –من وجهة نظر سمير- هي ذات توجه اشتراكي.

ويحق للقارئ هنا أن يتساءل: هل ثمة مفهوم يدعي “شعوب الشرق” بالأساس؟ وهل يفهم من هذا المفهوم أن هناك بالمقابل –”شعوب الغرب”؟ أن كلمة شعب- في أدبيات اليسار –كلمة مبهمة وغير محددة علمياً، فالشعب في أية دولة مكون من شرائح وطبقات، وهناك علاقات إنتاج تحكم قوى الإنتاج، وفوق هذا فإن القوى الموجودة داخل أية دولة ليست – متجانسة بل ومتعارضة المصالح، فهناك قوى ترتبط –مصلحياً- مع المنظومة الرأسمالية، وتتقاطع مصالحها وأيديولوجيتها مع الدوائر الاقتصادية والسياسية الحاكمة في المركز، وتتناقض –اجتماعياً وتاريخياً- مع القوى المحلية في الأطراف.

ونتساءل أيضاً: كيف يمكن ولادة نظام عولمي “اشتراكي”؟ فإذا كانت ثقافة العولمة –كما يقول سمير نفسه- هي إحدى مراحل السيطرة الرأسمالية، وتقوم على أساس احتكار الإرادة السياسية وتقوم على الاستقطاب الحاكم في الحياة الاقتصادية والسياسية للأمم، فكيف يمكن للاشتراكية أن تكون سمة للعولمة المقترحة؟

وما هي خصائص هذه “العولمة الاشتراكية” المفترضة؟ وهل هناك عولمة بديلة لا تخضع لقوانين التوسع والتبادل الرأسمالي؟ لا نجد بين ثنايا هذه الأطروحة أي تحديد علمي يجيب عن هذه التساؤلات، وتقع هذه الأطروحة في إطار الخطاب المؤدلج الذي يعتمد على أفكار فضفاضة وطوباوية لا تستند على الوقائع والحقائق الموضوعية، صحيح أن النوايا طيبة وتفترض بناء مجتمع إنساني عولمي يقوم على مبدأ الديمقراطية واحترام التباين بين الشعوب، تسوده العدالة الاشتراكية والمساواة، لكن الواقع المعاش والمستقبل المنظور يقولان عكس ذلك تماماً.

واستكمالاً لعرض رؤية سمير أمين نشير إلى أنه خصص حيزاً كبيراً لأطروحته عن “عولمة الثقافة” لنقد مفهوم “الثقافوية”.

وهذا المصطلح يستخدمه سمير بالمعنى السلبي لمفهوم الثقافة والذي يقول بثبات الخصوصيات الثقافية وديمومتها، وكما يرى سمير أن جوهر هذه النظرية “في الغرب والشرق معاً” يقول أن التباين الثقافي للمجتمعات والشعوب يمثل القاعدة، بينما تعتبر تجليات التشابه ناتج مجرد الصدفة. ص94 وتتجلى هذه النظريات في كتابات “هنتجتون” وخطاب المركزية الأوروبية، في الغرب، والخطاب الإسلاموي السلفي في الوطن العربي.

يعتقد سمير أن محاربة السلفية والتصدي لها جوهر إشكالية مواجهة العرب والمسلمين لتحديات العولمة، لأنها “أي السلفية” تمنع من الدخول في الحداثة، ويخصص سمير صفحات عديدة لنقد السلفية التي ينعتها بالثقافوية الخصوصية، إلى الدرجة التي توحي بأن هذه السلفية هي التيار الوحيد المسيطر على الثقافة العربية. فهل الخصوصية الثقافوية والتعلق بالهوية هو أصل السلفية؟ وهل مشكلة الثقافة العربية –كما يلاحظ برهان- مع العولمة هي سيطرة السلفية؟ وهل تأكيد الخصوصية سمة خاصة من سمات الثقافة العربية؟

يقول سمير في هذا الصدد: إن خلق الشروط الملائمة من أجل تطوير القيم العالمية لنتجاوز حدود الرأسمالية التاريخية واحلال ثقافة عالمية جديدة محل ثقافة العولمة يتطلب نظرة نقدية إلى “الأصالة” والموروث الثقافي التاريخي، وذلك أمر ضروري بالنسبة إلى الجميع على قدم المساواة، شرقيين كانوا أم غربيين.. بما فيه تعاملها مع العقائد الدينية. ص103 ويتساءل سمير: هل كان من الممكن أن تبادر الصين في التقدم دون قيام طليعتها الفكرية بنقد موروثها الكونفوشيوسي وهو ما فعلته الماوية؟ علماً بأن ذلك لم يمنع فيما بعد إعادة اندماج الموروث الديني والفلسفي “المسيحي والكونفوشيوسي” في الثقافة الجديدة، ولكن بعد تثويرهما تماماً، بحيث أن هذا الاندماج لا يرادف عودة إلى الماضي. (ص104).

ويضيف سمير: ليس من العجب أن انتشار الثقافوية الإسلامية يرافق تدهور المنطقة المعنية في التراتبية العالمية.

يقع خطاب سمير أمين في مغالطات وتناقضات عديدة؛ فهل تقدم الصين يرجع إلى نقد الكونفشيوسية؟ أم أن الثورة الصينية استطاعت “رغم الأخطاء والمآسي الإنسانية” تحويل مجتمع زراعي –إقطاعي- ما قبل رأسمالي إلى مجتمع صناعي متقدم؟ وهل ما حدث في الاتحاد السوفييتي “سابقاً” هو نتيجة لنقد الديانة المسيحية الارثوذكسية؟ وهل يرجع سبب تدهور الوطن العربي إلى انتشار الثقافوية الإسلامية “وإن كان أحد الأسباب”؟ أم يرجع إلى الاستعمار التركي الطويل وإلى الاستعمار الأوروبي في العصر الحديث والمعاصر؟ كيف يمكن تجاهل المراحل الاستعمارية الطويلة التي خضع تحتها الشعب العربي؟ وكيف يمكن تجاهل دور المركزية الأوروبية استعماراً وثقافة في دفع المجتمع العربي إلى ذيل القائمة في دول العالم الثالث “ينعتها سمير بالعالم الرابع”؟

وإذا كان المعيار الذي يقوم عليه تقسيم العالم هو معيار اقتصادي لا ثقافي كما يقول سمير في ص107 فكيف يمكن تفسير تأخر العرب اقتصادياً وتقنياً واجتماعياً نتيجة لمفهوم الخصوصية الثقافية التي تتجلى في الفكر السلفي الإسلاموي؟ وهل منعت الخصوصيات الثقافية والتمسك بالهوية في المجتمعات الأوروبية “وأمريكا” من التقدم العلمي والتقني؟

4- خاتمة

طرحنا في مقدمة هذا المقال تساؤلات يمكن لنا أن نجيب عنها بعد عرض ومناقشة فحوى هذا الكتاب المهم، وكما أسلفنا فليس هدفنا إبداء رأي في ظاهرة العولمة، فهذه الظاهرة أعقد وأكثر تشابكاً مما قد يبدو للبعض، لما تتضمنه من تأثيرات وعلاقات متبادلة على الأصعدة الاقتصادية “التجارية والمالية” والسياسية والحقوقية والاجتماعية والثقافية، وإنما كان هدفنا تحليل منطق الخطاب الثقافي العربي الذي حاول مناقشة وتفسير هذه الظاهرة، من خلال أطروحة برهان غليون وسمير أمين وتعقيبات كل منهما تجاه الآخر.

والخلاصة أن المثقف العربي – من خلال النموذج الذي قرأناه – لم يستوعب بعد ظاهرة العولمة، ولم يتمكن من فهمها جيداً، واتسم الخطاب الثقافي بغياب أدوات التحليل المناسبة، وجرى الاتكاء على خطاب إنشائي يغيب عنه المنهج العلمي التاريخي وسادت المفاهيم المرجعية المؤطرة في أدبيات اليسار والليبرالية السابقة تاريخياً عن ظاهرة العولمة وتعيناتها الحديثة.

ونتيجة لذلك فقد تخلل هذا الخطاب عبارات وأفكار عامة إنسانوية تفصح عن آمال ورغبات وأحلام لا تنتمي إلى أرض الواقع أو الحقائق المنجزة بالفعل، أما الحلول التي اقترحها خطاب المثقفين العرب –من خلال هذا الكتاب- لعولمة بديلة أو عولمة الثقافة فقد اختلطت بالتفكير الرغائبي مع نزعة مسيحية بوجود عالم واحد متسامح وطيب إلى أبعد الحدود، مع آمال بتفكيك هيمنة العولمة من داخلها أو ببناء الشعوب الشرقية لعولمة اشتراكية، إنها مراوحة بين الانحناء للعاصفة أو الهروب إلى الأمام.

  • كاتب وقاص من ليبيا.
  • برهان غليون، سمير أمين: ثقافة العولمة وعولمة الثقافة، دار الفكر: دمشق، 1999.
Advertisements