المَثَّال

في ذكرى رحيل النيهوم الصادق

1

شكري الميدي أجي*

مايكل أنجلو نحت تمثال داوود ضخماً من قطعة رخام ظلتْ مهملة داخل احدى الأديرة طوال مئة عام. الصادق النيهوم الأديب الليبي نحت شخصية الحاج زروق بكل حماقاتها وغلظتها من واقع الليبي خلال منتصف الستينيات، شخصية بلا شك عاشت أكثر من مئة عام. شخصان مختلفان، استخدما الأثر الفني لأجل فكرتين متناقضتين في الأسلوب، متوافقتين في الهدف.
فعلاً كل ذلك وهما تحت سن الثلاثين، مستهدفين رجال الدين في حرب معلنة لا هوادة فيها، كانت الرموز الدينية لتماثيل مايكل أنجلو تستهدف رجال الدين في عصره، مستخدماً لغة الدين في تمثايله كما أعلن الصادق النيهوم بأن معضلة مواجهة رجال الدين، تكمن في استخدامك للخطاب الديني في الحديث معهم، وهي لغة قد تلغي قيمة الكلمات، وإن كانت لم تستطع أن تلغي سطوة الصخر في تماثيل أنجلو الدينية، فإن شخصية مثل الحاج زروق استهدفت مسألة أكثر عمقاً في المجتمع الليبي، الصفات الدينية التي تمازجتْ مع العادات اليومية حتى تحولتْ إلى مدمرات لسير المجتمع نفسه نحو النهضة، عقب الاستقلال.

فالفكرة التي يجدها المرء بسهولة ضمن الخطاب الذي أطلقه النيهوم، هي محاولة جريئة لانتزاع سطوة الصفات السيئة من الشخصية الليبية، ذلك بابداع مثال ملموس يجسد تلك الصفات السيئة، خدمة لهذه الفكرة بالذات ظهرتْ شخصية الحاج زروق الجدلية، التي لفتت أنظار جميع القراء في ليبيا، اعتبروها سخرية من ذلك المواطن الليبي، كما اعتبرها البعض نظرة مترفعة من الكاتب تجاهه مجتمعه، في حين أن النيهوم تقصّد استخدام فكرته الكبرى عن الصنم والمثال التي تحدث عنها صراحة ضمن محاضرته عن الأثر الفني، كما أعلن في إحدى اللقاءات الأدبية بأن الحاج زروق هو المواطن الليبي.

arton14028

إن كان مايكل أنجلو نحت تمثال داوود لأجل تحطيم سيطرة بابا الكنيسة على الوعي الشعبي آنذاك، أو أن هذه الصورة التي تخلقتْ عن رمزية التمثال الكبرى في إظهار داود مستعداً لإطلاق حجارته، المتكومة في يده. مهمة الصادق النيهوم كانت بالضبط عكس مهمة مايكل أنجلو، وإن اتفقتْ أهدافهما، ألا وهي انتزاع سطوة رجال الدين سواء رهبان، قساوسة، وفقهاء من النفوس، مستخدمين الأثر الفني، الإيطالي وضع صورة للبطل الذي يتمنى أن يكون مثل الأعلى لبلاده، النيهوم وضع صورة ما يتمنى أن يختفي في بلاده، وأن لا تنصب تلك الصفات كأسلوب موثوق لكسب العيش. الأيدول والمثال في سبيل توجيه أفكار الشعوب نحو ما يود الفنانين التركيز عليه ضمن مشروعهم الفني.

فماذا كانت النتيجة؟! مايكل انجلو استطاع أن يخلق مجتمعاً ينمي صفاته الفضلى بالفن، يؤكد البعض بأنهم كأوروبيين ركضوا طويلاً وراء المثال الجسدي، بحثوا طوال القرون عن الجمال، السعادة والكمال، لينتهوا مؤخراً شبه منهكين باحثين الروحانيات ضمن الديانات الأسيوية التي أعلن نيتشه الأوروبي كما قرر كازانتزاكي مرة بأنها الأفضل في العالم.

أما الصادق النيهوم الذي فهم تلك النقطة الجوهرية مبكراً، استغلها في خلق شخصية بدائية مثل الحاج زروق، ربما محاولاً اختزال الشر الليبي ضمن شخصية هزلية ومن ثم نسفها، اشتهرت طوال الستينيات حتى هذه اللحظات، ظلتْ واضحة جداً في أغلب التعاملات الشارع الليبي، الليبيون تعاملوا مع الشخصية بشكل هزلي، إن كان خلق سوبرمان هو الهدف منه الارتقاء بإنسانية الشعوب في المجتمعات الغربية، فإن الحاج زروق كان السبب من إيجاده هو القضاء على الصفات السيئة، لكن القراء ركزوا على الشخصية وتناسوا التقزز من أفعال تلك الشخصية، بدلاً من أن تنتهي الشخصية فعلياً من الوجود، صارتْ من النوادر اليومية، المواطن الليبي يضحك مبتهجاً كلما قرأ عن مغامرات الحاج الزروق الذي يسرق من مجتمعه ليذهب إلى الحج، يحسب حسناته بالفحم على الجدار ليحوز مزيداً من حوريات العين في الجنة، ويضرب زوجته حتى الموت لأنها طالبتْ بحصتها من حور عين، كما يحسد كلبته التي أنجبت سبع ذكور، معيراً زوجته التي أنجبتْ فتاة واحدة بأعلى صوته بأنها أقل من الكلبة، وإنه يتمنى لو تزوج كلبة، بدلاً منها. المواطن الليبي لم يتخلص من هذه الصفات القميئة، لم يتخلص من العناد. وهي أسلوب تقصي ظهر لاحقاً خلال تفسير شخصية جحا التاريخية التي كتب النيهوم عن عوالمه الغريبة والرموز السياسية المتضمنة فيها.

مشروع النيهوم الذي اتكئ بصراحة على الفكر الغربي من أجل التأثير على المجتمع الليبي الصغير آنذاك، ترك اثراً فنياً أكبر مما يمكن لأي مواطن ليبي أن يحدثه أو يراه. هذا الأثر الفني لم يجد الاهتمام الحقيقي سواء من السياسين أو الفنانين أنفسهم، لكي يجعلوا منه مشروعاً ليبياً لأجل تأسيس شخصية ليبية مثالية دون التدخل مباشر، فقط محاولة إلغاء التغني بصفات الحاج زروق، كافي ليستند المجتمع الليبي لأول مرة على جزء من تقاليد الدول الحديثة التي تحتاج للخيال، للمثال، لكي يكون بوسعها خلق هويتها الخاصة.

ما حدث أمر مضحك جداً، بدلاً من الحاج الزروق كرس هؤلاء المثقفين العباقرة شخصاً مختلفاً لكي يكون المثال الليبي، وهو معمر القذافي، ظل الشخصية الأساسية طوال النصف الثاني من القرن الماضي، كان النيهوم خلق الحاج الزروق ليكون المثال السيئ الذي يتوجب على الليبيين التخلص منه فوراً، لكنهم وضعوا في قمة الهرم الليبي، شخصاً يشابه الحاج زروق في كل تفاصيله، لا يختلف عنه في شيء كموجه أخلاقي للشعب الليبي. فأصبح الحاج الزروق بكل سيئاته المثال الليبي المعتمد، بحضور النيهوم نفسه، وأعتقد بأنه من الطريف فعلاً أن ننظر لشخصية الحاج زروق متمثلة في تصرفات معمر القذافي، فكلاهما ليبيين ابني عصرهما بإمتياز، ولم يصبح النيهوم مثالاً ومن هنا ولدتْ النكبة الليبية.

(*) كاتب وروائي ليبي – مايو 2015
Advertisements