أمراض الدين وأعطال الحداثة

new-1

%d8%b9%d9%85%d8%b1-%d9%83%d9%88%d8%b4

عمر كوش

الإنسان الأدنى: أمراض الدين وأعطال الحداثة، كتاب لعلي حرب، أحد الكتاب والباحثين اللبنانيين الذين تتميز كتاباتهم بطابع إشكالي سجالي، عبر طرح غير تقليدي للقضايا والأسئلة التي تنفتح على التفكيك والاختلاف والتعدد والغيرية. ويلاحظ المتابع للكتب التي أصدرها هذا المؤلف اتباعه لقراءة غير مقيدة، جعلت منه موضوعاً لسجالات عديدة، وخصوصاً حول كتبه الأولى.
صدر له العديد من المؤلفات والدراسات، مثل: «مداخلات، 1985»، و«التأويل والحقيقة، 1995»، و«الحب والفناء، 1990» و«لعبة المعنى، 1991»، و«نقد الحقيقة، 1992»، و«الممنوع والممتنع، 1993»، و«أسئلة الحقيقة ورهانات الفكر، 1994»، و«خطاب الهوية، سيرة فكرية، 1996»، و«أوهام النخبة، أو نقد المثقف، 1996»، و«الاستلاب والارتداد، 1997»، و«الفكر والحدث، 1997»، و«الماهية والعلاقة، نحو منطق تحويلي، 1998»، و«حديث النهايات، فتوحات العولمة ومآزق الهوية، 2000»، و«الأختام الأصولية والشعائر التقدمية، 2001»، و«أصنام النظرية وأطياف الحرية، 2001»، و«العالم ومأزقه، نحو عقل تداولي، 2002»، و«أزمنة الحداثة الفائقة، 2005»، و«هكذا اقرأ ما بعد التفكيك، 2005». إضافة إلى عدة كتب مترجمة عن اللغة الفرنسية.

يتابع المؤلف، في كتابه الجديد «الانسان الادنى، أمراض الدين وأعطال الحداثة»، تقديم اطروحاته الفكرية والسياسية، مستكملاً ما كان عرضه في كتابه السابق: «هكذا اقرأ ما بعد التفكيك». ويطالب فيه بمساءلة مفهوم «الإنسان»، قصد تفكيكه وإعادة بنائه، والذي توضع بشكليه: الإنسان بالوكالة عن الله، أي بوصفه خليفة الله وأشرف المخلوقات والكائن الذي سُخّر له كل شيء، والإنسان بالأصالة عن نفسه، أي الشكل العلماني السافر والمباشر، حيث الإنسان يحمل المسؤولية عن نفسه بنفسه من دون مرجعية غيبية، ويقدس نفسه بوصفه سيد الطبيعة ومالكها، أو بصفته كائناً أعلى أو ذاتاً متعالية، يبيح لنفسه كل شيء. ذلك أن أنقاض الخراب والدمار والكوارث تساءل الإنسان عما اقترفت يداه، وتجعله أقل عقلانية ومعرفة مما نحسب أو نظن، أو أقل تديناً وصلاحاً، وبالتالي أقل إنسانية، لينتهي واقع الأمر إلى توصيف حال هذا الإنسان المدمر ووسمه ب«الإنسان الأدنى» وذلك على التضاد مما كان الفيلسوف «نيتشه» يسميه بـ «الإنسان الأعلى»، مع أن إنسانوية نيتشه وسواه قد تمّ نقدها وتجاوزها منذ أمد بعيد.

منطلق الكتاب يخالف الكثير من السائد، فكرياً وثقافياً، وخصوصاً أفكار أصحاب النزعتين، الدينية والانسانية، وحجته هي أن تطورات العصر الراهن تدفع إلى القيام بعمليات إعادة نظر جذرية في تلك النظريات التي تنطلق من الانسان، أو تلك التي لاتزال تتعاطى مع الانسانية بوصفها المثال والهدف، ذلك أن كل الدعوات الانسانية وحقوق الانسان والحقيقة والحرية والعقلانية والعدالة، تستند إلى منظومة فكرية لم تنتج سوى حالات بربرية في العالم. حيث لم تعد المسألة الدفاع عن إنسانية الانسان، لأن انسانيته ليست المستهدفة، بل صارت هي المشكلة والمحنة. وعليه فإن المطلوب هو فتح ملف الانسان بصفته «الجلاد وجرثومة الفساد بمركزيته ونرجسيته، بشراسته وهيمنته، بامتلاكه اسلحة التدمير الشامل والمنهجي لثروات الارض».

يؤمن المؤلف بالمصطلح المفهومي، وبقدرته وامتلاكه قوة تحفز على التفكير والعمل، ويدعو إلى خلخلة مفهوم الإنسان كما توضع في مركزيته لمصلحة الشركاء الآخرين في الكون، أملاً في الاستجابة إلى التغير الحاصل في العالم وضرورة انعكاسه علينا في «نمط وجودنا»، وعلاقاتنا وروابطنا، و«صورنا عن أنفسنا، في سبيل عالم مغاير «أكثر صلاحاً ونفعاً»، بواسطة العمل النقدي وإدراك عمق «أزمة الإنسان والعقل الكوني»، وخيبة الأمل من الوعود الزهرية التي قدمتها الحداثة للمجتمعات البشرية.

ذلك أن الأفكار تمتلك قدرة تداولية قادرة على خلق مساحات وصيغ وقواعد للتعايش السلمي، ومواجهة الشطط في المواقف التي تحملها أطراف مسيحية أو إسلامية أو علمانية تحمل سمة إمبريالية وكليانية، كي تتم إعادة ترتيب أولويات الإنسان ونمط علاقاته مع الحياة والبيئة والأرض، وتدبر جديد لمفهومي التقدم والهوية، خصوصاً عند من يجعل منها متراساً يفصل بينه وبين الآخرين، مع أنها تحمل أكثر من بعد وتغتني بتعددها واختلافها.

من هذا المنطلق يناقش المؤلف شعار «الإسلام هو الحل»، الذي يريد منه أصحابه أن يكون مفتاحاً سحرياً يصلح لفتح كل الأبواب المغلقة، معتبراً أن طرح «الأسلمة» يشابه المشاريع الكليانية التي سقطت في امتحانات التاريخ، مع أن العلمانية ليست هي الأخرى في أرض العرب في أفضل أحوالها.

والمراد من كل ذلك هو تأكيد وجود أزمة عالمية بنيوية تضع مفاهيم الحرية والديمقراطية والمواطنية والعلمانية والحداثة موضع التساؤل، وتدخل بنا في عالم جديد سمته «المخاطرة» والحداثة الفائقة. وما يؤكد الأزمة هو أن الكوارث هي «ثمرة سيئة ومدمرة لصنائع الإنسان ومخلوقاته»، والبربرية لصيقة الحضارة، وهي نتاج أنساق النظر والاعتقاد التي تتبع منطق التقديس والتجنيس، وليس نتاج أفعال زمرة من البشر والنزعات.

وينطلق المؤلف من بعض قرارات المنع والحجر على الكتب التي يقال إنها تمس الدين، مثل رواية «شفرة دافنشي» لدان براون، كي يندد بالمواقف المحافظة التي تدعي الوقوف عند الثوابت، منتصراً للقراءات التحويلية للنصوص على النفس وعلاقتها بالمقدس، ويعتبر أن صعود الأصولية في العالم هو معادل لنكوص وتبديل الوظيفة الأصلية للدين، وتحوله إلى استراتيجية مدمرة، فيما يعتبر الإرهاب الداء الأول في مجتمعاتنا المعاصرة،

لذا فإن الاشتغال على تفكيك مفهومه هو ضروي للوقوف على أواليات عمله. فالارهاب ينبع من أزمة الهوية والمعنى، وهو ثمرة العقول المغلقة وعبادة الاصول وتقديس النصوص. لكنه «حصيلة أوامرنا الالهية وحكوماتنا الدينية ومرجعياتنا الغيبية وشعاراتنا الاحادية وثوابتنا الابدية». ويرجع جذره في تلك المحاولات الهادفة الى أسلمة الحياة المعاصرة إنطلاقا من معتقدات اصطفائية تدّعي امتلاك الحقيقة، وفي شعار الحاكمية الالهية، واقصاء الآخر.

ثم يشدد المؤلف في قراءته للعلاقة بين الدين والمجتمع، على الخلافات المذهبية بين السنّة والشيعة، كي يخلص إلى أن مصدر الخلاف هو الصراع على السلطة والنزاع حول أحقية الخلافة بعد الرسول، إذ ترتب على هذا الخلاف الذي لا يزال مستمرا، تكفير من هذا الفريق أو ذاك، لكنه في الواقع يدور حول قضايا وافكار ميتة او مستهلكة لا وظيفة لها سوى اعادة المجتمع الى الوراء.

وبالتالي فإن المآل الذي وصلنا إليه يحتم علينا إلقاء الضوء على النصوص والمراجع التي يتمترس وراءها كل فريق في شن حربه الرمزية والفعلية ضد الآخر، من خلال تهم التكفير أو الإقصاء والالغاء.

ويدعو المؤلف أصحاب المذاهب إلى الكف عن «الاعتقاد أنه مالك الحقيقة ومحتكر المشروعية أو الممثل لخط الاستقامة»، وذلك إلى إعادة النظر في كثير من المفاهيم، وفي مقدمها مفهوم «التسامح» الذي يبدو وكأنه هدنة بين توترين أو فتنَتين لمصلحة مفهوم «الاعتراف» المنفتح على التعددية، وينهل من قيم العصر التواصلية والتداولية. الأمر الذي يستلزم التخلص من أسر الماضي وأثقاله، والنظر الى المستقبل وما يحمله من تحديات جديدة وممارسة نقد الذات بشجاعة، أي تجديد اللغة الدينية وتحميلها المقاصد والمفاهيم والقيم الجديدة، بما يعني تغليب «إرادة المعرفة» على ما سواها واستخدام العقيدة كرصيد ثقافي أو مخزون رمزي للجماعة.

وتواجه الفكر الديني استحقاقات وتحديات عديدة، خصوصاً مع التغيرات والحولات المتسارعة التي يشهدها عالم اليوم، والمطلوب هو تغيير العدة الفكرية المتصلة بنظام الفكر، ومفرداته، ومناهجه، بغية الوصول الى عقلانية جديدة لادارة الاشياء والهويات والمصالح، والعيش في هذا العصر. ويدعو المؤلف إلى الاعتماد على العقل التركيبي التداولي، كونه يمتلك قدرة الانفتاح على الواقع المتعدد، وقدرة على الخلق الجديد. وبالمقابل يرفض مقولة «صدام الحضارات».

ويحاول كشف زيفها وحجبها للصراعات الداخلية داخل المجتمعات وفي كل ثقافة، وطبيعة العلاقة العضوية بين الإسلام والغرب. ويطرح مشاركة العرب والمسلمين الفاعلة في بناء الحضارة الكونية، عبر الشراكة والمداولة، والاعتراف المتبادل والمسؤولية المتبادلة عن المصائر. ذلك أن المشهد الكوني الراهن يفرض إعادة النظر في الحداثة ومفهومها، مع أننا منخرطون فعلاً فيها على نحو ما. تشهد على ذلك حياتنا وتبنينا لكل ما هو حديث. وبالتالي ما هو موقعنا في عالم الحداثة، هل نحن منتجون وفاعلون أم مستهلكون وتابعون؟

Advertisements