مرسم رضوان

111

أبو بكر حامد كهال*

من الأماكن التي كنت أُفتتن بها علي الدوام كلما تسنّت لي فرصة زيارتها، كان مرسم الأديب والتشكيلي الليبي الصديق رضوان أبوشويشة الواقع بالدور العلوي بمبنى الكنيسة بالمدينة القديمة بطرابلس، فلاشك إذا كنتَ من المحظوظين -الذين تتاح لهم مثلي أنا ومثل الأصدقاء حسين المزداوي، منصور بوشناف ورضا بن موسى – زيارة مرسم أبوشويشة فإنك ستلتقي هناك بالسحر وبالطابع السريالي للمكان، بحسبانه يجمع بين ورشة الرسم واكتظاظها، والمرسم وأدواته التي تزيد عن المعهود لدى أبوشويشة. كما إن المرسم يتّخذ منه صاحبه أحياناً مقراً لسكناه وبراحاً لاستقبال الضيوف الذين يتحلقون حول براد الشاي الموضوع فوق الـ”فرنيلو”.

%d8%b1%d8%b6%d9%88%d8%a7%d9%86

بعد أن تدلف إلى الداخل ستجد نفسك وسط قاعة واسعة ومستطيلة الشكل. سقفها العالي يوحى بالصلابة علي عكس ما توحي به هيئة الجدران الخارجية (قبل أعمال الصيانة بالطبع!) التي توحي بقرب نفاد طاقة صمودها، خاصة إذا ما أطللت من النافذة البعيدة التي تقابل الباب حيث سترى التصدعات في هيكل المبني وكذا في المباني الملاصقة له.

إذن، فأول ما سيصادفك في أرجاء الأرضية الرخامية التي تشرّبت رطوبة “الدهارير”، حسب تعبيرات المعلم الكبير أبوشويشة. ستجد الكثير من مواد الرسم قد تناثرت في شبه فوضى مربكة. يمتلك المعلم طريقة عجيبة لإدارتها والسيطرة عليها. فهذه أدوات “شغله” وهو يعرف موضع كل غرض منها ومواقع كل إطار خشبي يكون مطموراً تحت أكداس من الجرائد التي تكون قد سقط عليها قدح من الماء عرضاً.

ستشاهد إذن، عبوات الألوان القديمة والجديدة. البعض منها مسدود الفوهات والبعض الآخر منها طارت سداداته فظهرت علي فوهاتها حلقات من الغبار. وهناك أيضاً زجاجات أحبار وزجاجات وباقات صغيرة بها مواد مزيلة للألوان والطلاءات. وستجد ورق الرسم العالي الجودة – حسب مقاييس التشكيليين – من مختلف الأحجام يكون قد جلبها معه في واحدة من رحلاته إلى مالطا في حقيبة زرقاء أنيقة مستطيلة ومقوّاة من أجل المحافظة على الورق سليماً أثناء التنقل. ومما ستشاهده وبكثرة تلك اللوحات التي يصنع البعض منها أمام عينيك. ستشاهد الألوان وهي تخلط وتخفف ويتم “تشفيفها” بشدة بحيث إنك ستدهش من معجزة الشفافية وهي تصنع أمامك تواً، ثم تنقل إلى جيد اللوحة التي علي الحامل، أو تلك النصف منجزة التي تم سندها منذ لا أحد يعرف، ورأى المعلم أن هذا وقتها، فتجده يلامسها بالفرشاة برفق كمن يضع الكحل لحبيبته الكثيرة الدلال (الكثير من العشاق في الأزمنة السابقة لظهور المرايا كانوا يضعون الكحل لحبيباتهم – ولا أخفيكم – ففي فترة عنفواني أنا نفسي كنت أضع لها الكحل تيمناً بعشاق ما قبل المرايا. أو أيام مشاهدة المرء لوجهه علي صفحة مياه البحيرات البكر!

وبالعودة إلى المرسم ستشاهد في أحد الأركان الآمنة بعيداً عن خطر البلل القماش الخاص بالرسم الذي يكون قد جلب كطلبية كان قد أوصى عليها منذ مدة. ستعترض طريقك أيضاً وأنت تخطو في المساحة القريبة من الجدار الغربي وهي المكان الاكثر إكتظاظاً بمواد كثيرة، حديدية وبلاستيكية وأخشاب وأرضيات وحقائب يدوية وبطانيات.. في فترات لاحقة رأيت الكثير من هذه المواد وقد تحوّلت إلي لوحات هامة. بل ورأيت لوحة من هذه المواد التي كانت علي وشك أن يصيبها التلف والصدأ قد باعها المعلم بالشيء “الفلاني”.

ستلاحظ أيضاً أصابع كفي المعلم ملطّخة بالألوان وستجد بقع الألوان هذه في كل مكان على ملابسه التي يرتديها أو تلك المبثوثة بين اللوحات، فهو درج علي الرسم مرتدياً ملابسه العادية التي يخرج بها، ولهذا كنت ترى بعض قمصانه الباهظة الثمن ملطخة بالألون، وكأن المعلم يقدم تلك القمصان قرابين من أجل حياة لوحاته. وهنا يحضرني قول للمعلم قاله لي تعليقاً على واقعة رمي الشاعر الراحل صديقنا الجيلاني طريبشان لديوان شعره في نهر التايمز، قال: “إن ذلك الديوان أفتدي حياة الجيلاني”.

في المرسم عند نهاية الصالة ناحية اليسار ستجد غرفة نوم الأستاذ. وعندما نقول غرفة نوم سيتبادر إلي الأذهان غرفة بأسرة ومستلزمات غرفة النوم المعتادة. ولكن ما ستجده على سرير الأستاذ هو الكثير من الكتب، والكثير من الجرائد والمجلات. وإذا كان توقيت زيارتك له في الشتاء قد تجد بعض البطانيات مكوّمة في السرير. وأما إذا كانت زيارتك في فصل الصيف فأنك ستجد أن ذلك السرير قلب رأساً علي عقب وتم إسناده إلي حائط الغرفة البعيد وستحتل مساحته المزيد من الكتب والمجلات الجديدة. وأما البطانيات فستجد واحدة منها أو اثنتين قد فرشتا مثل البساط فوق أرضية الصالة المستطيلة لتنام عليها المخططات الأولية لمشاريع اللوحات التي يفكر بها الأستاذ. وستجد الكتب متناثرة في كامل الأرضية، وستبدو لك تلك الكتب مثل فواكه وورود العالم كله تجمّعت هناك، فتحتار ماذا تقرأ منها وماذا تترك؟ لكن وأنت تعبر الصالة من عند المدخل حاذر أن لا تصطدم بحاملة اللوحات أو تدعس على إحدى اللوحات الموضوعة على الأرضية تنتظر دورها أن يمر عليها رضوان بريشاته وألوانه، في هذا الصالة الفسيحة التي تبدو لك جدرانها قاسية وكالحة. فمجرد أن ترى المعلم جائلاً هنا وهناك ستشعر أن تلك الجدران فقدت قساوتها وصارت لينة وجميلة ربما لإحساسها بإنها تضم ذلك الكون العجيب الذي يعيش فيه الفنان.

دائماً عندما تذهب إلى هناك ستجد رضوان يتجول بين لوحاته التي يعمل عليها الآن، أو تلك اللوحات نصف المنجزة. أو الأخرى المسندة على الجدار. فتراه يتأمل هذه ويعمد إلى تغيير موضوعة تلك التي كنت قد عبرت له بالأمس عن إعجابك بها لتجدها اليوم وقد أجرى عليها الكثير من التغيرات في الألوان وفي الشكل العام وفي المضمون. فتعبر اليوم أيضاً عن إعجابك الشديد بما أصبحت عليه اللوحة. وتتمنى في داخلك أن تكون هذه نهاية التغييرات وأن يكون المعلم الذي يقف على مسافة منها ويتأملها بصمت قد اقتنع بها أخيراً وسيختمها بوضع توقيعه عليها.

(*) كاتب وروائي إريتري مقيم بالدنمارك.
Advertisements