(عصافير بلا أجنحة) كان ديواني الأول

أول حوار مع محمود درويش في الصحافة العربية. أجراه الناقد اللبناني محمد دكروب، ونشرته مجلة الطريق عام 1968 في موسكو

1

لم أكن قد التقيت به قبلاً، ولكني كنت أعرفه من زمن طويل، منذ أخذ ينشر هناك أشعاره التي جمعها في ديوانه ‘أوراق الزيتون’.. أتتبع ما يتسرب إلينا من قصائده وقصائد رفاقه الآخرين.. وعندما اجتاز شعره الأسلاك الإسرائيلية الشائكة، وانطلق في العالم العربي خصوصاً بعد نكسة حزيران شعلة أمل وإصرار وسط اليأس الشعري القاتل في تلك المدة، شعرنا هنا باعتزاز كبير: هذا واحد منا، عملاق شعري آخر يؤكد طليعية شعرنا التقدمي، ويعطي، هو ورفاقه، المثل الحي علي اندماج الشاعر بشعبه، والشعر بالقضية.

وفي أحد احتفالات التضامن مع الشعوب العربية، التقيت بمحمود درويش.. شاب نحيل، وجه أليف جداً، قريب إلى القلب.. اكتشفنا كأننا نعيش معاً من زمان.. هو أيضا يعرف الكثير عني وعن رفاقي الكتاب هنا. قال إنه ورفاقه، هناك، فتحوا عيونهم على الأدب التقدمي عن طريق “الثقافة الوطنية” ثم  بوساطة “الأخبار”. بعض ما نكتبه في صحفنا، كانوا ينقلونه إلى صحفهم. كانت صحفنا، كما قال، نافذتهم إلى العالم العربي، والشريان الذي ينقل إليه حركة الأدب والفكر والكفاح.

حاوره: محمد دكروب

* حدثنا عن نشأتك.. البيئة والجو والناس… وانعكاس أحداث تلك الفترة الأولى على نفسك ومسيرتك فيما بعد.

– أضع أمامكم طفولتي، لا لأني من أولئك المولعين بالحنين إلي “البراءة المفقودة”، ولا لأني انتمي إلي الذين يعاملون مرحلة الطفولة علي انها العنصر الحاسم الذي يحدد اتجاه الشعر. ولكن الطفولة، في مثل حالتنا، اكتسبت ميزة خاصة وستساعدنا، ولو قليلا، علي فهم هذه الصلة التلقائية المبكرة بين الخاص والعام. ان طفولتي هي بداية مأساتي الخاصة التي ولدت مع بداية مأساة شعب كامل.

لقد وضعت هذه الطفولة في النار، في الخيمة، في المنفي، مرة واحدة وبلا مبرر تتمكن من استيعابه، ووجدت نفسها فجأة تعامل معاملة الرجال ذوي القدرة علي التحمل ولاتستثني من مصيرهم. فالرصاص الذي انطلق في تلك الليلة من صيف 1948 في سماء قرية هادئة (البروة) لم يميز بين أحد، ورأيت نفسي، وكان عمري يومها ست سنوات، أعدو في اتجاه أحراش الزيتون السوداء، فالجبال الوعرة مشيا الأقدام حينا وزحفا على البطون حينا، وبعد ليلة دامية مليئة بالذعر والعطش وجدنا أنفسنا في بلد اسمه: لبنان، وحين صحا ذلك الطفل الممزق الثياب من التعب والرهبة كان رأسه يزدحم بالأسئلة التي هاجمته دفعة واحدة وبلا تسلسل. ومنذ تلك الليلة انقلبت الصفة الخاصة لعالم الطفولة، واصبح ذلك الطفل محروما من الاشياء واللغة التي تميزه عن الكبار. والغريب، هو أن تلك الليلة أكسبته شعورا غامضا بأنه، منذ الان، لن يختلف عن الكبار. والتصقت بذهنه وعاطفته كلمات جديدة صار يعرف انها مصيرية: الحدود، اللاجئون، الاحتلال، وكالة الغوث، الصليب الاحمر، الجريدة، الراديو، العودة، وفلسطين… اذ لم تكن به حاجة، على ما يبدو، لان يعرف بأنه من فلسطين قبل الآن. من هنا، الاحظ أن ارتباطي الاول بالقضية بدأ بتعرفي المفاجيء علي كلمات. وعندما كنت أسأل أهلي عن ترجمة هذه الكلمات، كنت أدخل عالم قضايا جديدة والتصق بها رغما عني، مبتعدا بوتيرة سريعة، عن عالم الطفولة اذا كان يعني ما يحظي به الطفل من تفوق وتمييز، وصرت اقترب، بوتيرة سريعة ايضا، من عالم الطفولة الذي صار يعني المكان الذي ستخلصني العودة إليه من هذه الكلمة الجارحة: لاجيء وهكذا، تحولت عواطفي الى اسيرة لكلمة ‘العودة’ التي تعني المصلحة والانتهاء من العار. وصرت انتظر، اذ أصبح الاحساس المرهف بالحرمان والظلم والتشرد مسيطرا على ذهني الصغير وكل ما ورثته من حب للدنيا استبدله الواقع الجديد بضيق شديد بها. ولهذا أذكر فقدت موهبة اللعب وتسلق الشجر وقطف الازهار ومطاردة الفراش، وورثت عن أهلي عادة التأفف والركون الى الصمت والتأمل. واستطيع الآن أن أحدد، من بعيد، أن الموهبة الاولى التي قادتني إلي الشعر كانت موهبة التأمل، بمعني انها اوصلتني الى الارتباط المرهق بهموم الكلمات الجديدة، وسط جو كثيف من الغربة، فعمقت احساسي بالسبب والشكوي، ومن هنا ايضا استطيع أن أحدد منبع حساسيتي الشديدة تجاه العدوان فان طفولتي كانت ضحية عدوان وأجد الآن، خلال هذه المراجعة أن الطفولة لم تكن تعني مرحلة من مراحل حياتي، وانما كانت وطني، وفي وطن الطفولة كنت أشعر بالمراحل: الحرمان الخوف طرح الاسئلة، العزلة، التأمل، ثم الغضب على شيئين: على الواقع الجديد، وعلى الذين احتلوا طفولتي وطني، وقادوني الى هذا الواقع. هذه هي تجربة ‘الطفولة المنفية’. وتليها تجربة أخرى:

* كيف بدأت تتلمس الطريق إلي الشعر؟

– لا أذكر متي بدأت، بالضبط، محاولة كتابة الشعر. ولا أذكر الحافز المباشر لكتابة ‘القصيدة’ الأولي، وان كنت اذكر اني حاولت، في سن مبكرة، كتابة ‘قصيدة طويلة’ عن عودتي الى الوطن، حذوت فيها حذو المعلقات، فآثرت سخرية الكبار ودهشة الصغار. واذكر ان بعض الصحف بدأت بنشر محاولاتي عندما كنت في المدرسة الابتدائية، وكنت أحدق طويلا باسمي المطبوع في الجريدة، فاطمح بان يطبع مرات أخري! وخلال دراستي الثانوية صارت كتابة الشعر تحتل الجزء الاكبر من اهتمامي. وكنت سريع التأثر بالشعراء الذين اقرأ لهم مؤخرا. وكانت محاولاتي تتسم بالزخرف والنغم المسموع جيدا، وكان اندفاعي وراء الانسياق الموسيقي ينسيني أو يضيع على: الفكرة، في تلك السنوات كنت دائم البحث عن نفسي وعن الطريقة الافضل لكتابة، ومن المؤكد ان الرومانسية تستهوي كل ابناء هذا الجيل، ولكن هذا الشعر الجديد الذي نقرأه في ‘الاتحاد’ و’الجديد’ للشرقاوي والبياتي والبغدادي وبسيسو والسياب وغيرهم يشعرنا بعلاقة أقرب ويلهينا بالحرارة لصلته المباشرة بالواقع، فاخذني هذا الشعر إلي أول الطريق. وانفصلت عن حبي الجارف لشعراء المهجر وعلي محمود طه. ولكن لم أجد، بعد، وسيلة التعبير، كان يشغلني في هذه المرحلة كيفية التعبير عن قلقي وتمزقي وغضبي كشاب ينتسب الى شعب مضطهد ومسحوق، بما يخيل لي انه أفضل الاشكال واقربها إلي القلب. ثم، كيف أجمع بين حبي لفتاة وارتباطي بالقضية العامة. وكانت تلك السن تصور لي ان في الصورة شخصيتين متناقضتين وكنت أتأثر بأي انتصار ثوري في أي مكان في العالم، فأسارع الى ‘تخليد’ هذا الانتصار.

وحين شعرت أني أملك القدرة علي ان اكون عضوا في الحزب دخلت إليه في عام 1961، فتحددت معالم طريقي وازدادت رؤيتي وضوحا وصرت أنظر إلي المستقبل بثقة وايمان. وترك

* ماذا يمثل كل ديوان، في نظر النقاد عندكم، وفي نظرك وفي حركة التطور الشعري عندك؟ هل وضعت شعرا وانت في السجن؟

– أول ديوان مطبوع لي، لا يستحق الوقوف. كنت في سنتي الدراسية الاخيرة (18 سنة)، وكان تعبيرا عن محاولات غير متبلورة، صدر عام 1960 واسمه “عصافير بلا أجنحة”.

أما الديوان الثاني “أوراق الزيتون” الصادر عام 1964 فأعتبره البداية الجادة في الطريق الذي أواصل السير عليه الان، الطابع العام المميز لقصائده هو التعبير الجديد، بالنسبة لشعرنا، عن الانتقال من مرحلة الحزن والشكوى الى مرحلة الغضب والتحدي، والتحام القضية الذاتية بالقضية العامة، متنقلا من سمة ‘الثوري الحالم’ الى الثوري الاكثر وعيا. وتشيع في جو الديوان رائحة الريف، وآلام الناس، والتغني بالارض والوطن والكفاح، والاسرار علي رفض الامر الواقع، وحنين المشردين الى بلادهم، ومحاولة العثور علي مبرر لصمود الانسان امام مثل هذا العذاب، كما ترون في هذه الاغنية مثلا:

وضعوا على فمه السلاسل

ربطوا يديه بصخرة الموتي وقالوا: انت قاتل!

اخذوا طعامه، والملابس، والبيارق

ورموه في زنزانة الموتي

وقالوا: انت سارق!

ردوه عن كل المرافئ

اخذوا حبيبته الصغيرة

ثم قالوا: أنت لاجئ!

يادامي القدمين والعينين

ان الليل زائل

لاغرفة التوقيف باقية

ولازرد السلاسل

فحبوب سنبلة تجف

ستملأ الوادي.. سنابل!

وقد استقبل الديوان برضا بالغ من القراء والنقاد والشعراء الذين اعتبروه مفاجأة وقفزة في الشعر العربي في بلادنا. ويسعدني أن اذكر أن ‘أوراق الزيتون’ هو الكتاب العربي الوحيد الذي طبع طبعتين.

‘عاشق من فلسطين’

وشاعر في السجن

الديوان الثالث هو ‘عاشق من فلسطين’ صدر عام 1966، أن طريقتي في التناول هنا تختلف عنها في ‘أوراق الزيتون’ مما نتج عنه تغير في النبرة. صوتي هنا اكثر انخفاضا وهمسا وشفافية.

تخلصت من شرح تفاصيل الصورة واكتفيت بالاشارة الموحية. وحين انظر الى الاشياء لا التصق بها فقط، وانما اتوغل فيها أو هي تتوغل في. كان وعيي ووجداني يدخلان في معادلة واحدة. ولعل التزامي هنا لم يعد مبدأ أو وجهة نظر أو طريقة، وانما صار نبضا في الدم. واعتقد ان للتجربة التي خلفت ‘عاشق من فلسطين’ فضلا علي ما أدعيه. القسم الاكبر من الديوان كتب في السجن أو عن السجن. واظن ان للمكان بعض التأثير على بناء القصيدة ايضا. ويخيل لى أن كتابة القصيدة في السجن اشبه ما تكون بعملية التقاط سريع أو اصطياد خاطف، وماهر، في نغمة اشبه ما تكون بالدندنة، حيث لا تكون للشاعر هناك أدوات الكتابة المادية التي اعتاد عليها. وقد يكون العامل المريح الذي يكتب فيه الانسان. شاء أم لم يشأ، أحد العوامل التي تدفعة الى العناية الشديدة بالاناقة. من هنا تجد ان قصيدة السجن قصيرة، مكثفة، وتحتوي علي فراغ جميل ذي ايحاء، فانك تشعر ان هذا الشاعر السجين لم يقل كل شيء، لم يستهلك تجربته، ومازالت هنالك ظلال غير مرئية. وهذه الميزة ميزة الانطباع بوجود ما لم يقل تعجبني كثيرا في الشعر، كقاريء من حقي المطالبة بأن يتعدي دوري جهاز الاستقبال، إلي المشاركة في العملية الابداعية. ومع ذلك، فاننا نظلم المسألة اذا جعلناها وقفا علي عنصر المكان الا بقدر ما يعنيه من وعاء للتجربة أو مسرح لها. ان السجن يرغم المرء علي المراجعة والتأمل في كل شيء، وكون السجين مقطوعا عن العالم الخارجي ومحروما منه يحمل ارتباطه العاطفي والفكري به اكثر التحاما وحميمية. كل شيء في هذه الدنيا الطليقة خارج الاسوار يصبح ذا ذكريات ومواعيد، لدي موعد مع كل شيء.. عندما يطلق سراحي سأقف طويلا لكي امتليء بزرقة البحر وملوحته. وفي السجن ‘اكتشفت’ الشجر بكل ما فيه من مودة، كرد فعل للون الرمادي، وهكذا تصبح الالوان مثار اهتمام من نوع جديد. مازلت اقول ان النفي الحقيقي للانسان هو ان تبعده عن الشجر. كل عشية تتحول الى رمز. وفي السجن تكتشف علاقاتك الحميمة بالناس، ويزداد الانتماء حنانا، وتري اهلك من زاوية أخرى لم تنتبه لها من قبل. لقد كنت مضحكا جدا عندما كتبت إلي أهلي: ‘اكتشفت اني احبكم بلا حدود. لاتؤاخذوني على هذا الاعتراف’، ولكني كنت صادقا. ملخص القول ان العالم الخارجي الذي يتحول الى وحدة رمزية واحدة يتداخل في السجين من أجل قضية، وتصبح كل العناصر مشاركة في هذه القضية التي يلح عليك السجن بالتشبث بها.

هذا ما حاولت أن أكتب عن حنيني إليه بطريقة قتلت فيها عنصر الحنين، لان السجن لم يبعدن عن الناس والاشياء والقضية، وانما جعلني اهضمها بشهية ونهم.

وهكذا، أري اني خطوت خطوة نحو المزج بين الاشياء مما استدعي صيغة اكثر مرونة تسع لحركة المزج، اسفرت عن انزال ضربة، غير مقصودة لذاتها، ببناء القصيدة الكلاسيكي. وقد حدث ذلك بما يشبه التلقائية، اذ لا خيار لك وسط هذه الحركات والرموز في ان ‘تقرر’ شكلا ما، فالعملية هنا هي التي اخذت اطارها وشكلها.

%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%88%d8%af-%d8%af%d8%b1%d9%88%d9%8a%d8%b4%d8%8c-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%87%d8%b1%d8%ac%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a8%d8%a7%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d8%b5%d9%88%d9%81%d9%8a%d8%a7

محمود درويش، في مهرجان الشباب في صوفيا، كاميرا محمد دكروب (1968).

*تخوضون معارك كثيرة.. حدثنا عن المعارك الفكرية والاجتماعية التي مارستها… وعن محاربة السلطة لكم ولشعركم… وعن السجن؟

– كل هذه المعارك تقريبا تدور، مباشرة، في دائرة المعركة السياسية، سواء كانت السلطة الطرف الآخر والمباشر، وسواء كان الفكر الرجعي ام الانتهازي أو العدمي محفوفا بعطف السلطة أو تأييدها أو لا يعدو كونه جندا من جنودها. ولعل مكافحة سعي السلطة إلي اشاعة العدمية القومية في صفوف الجيل العربي الجديد قد اصبحت احدي معاركنا اليومية.وتكرس السلطة جهودا خاصة لاضعاف قوة جذب حزبنا للشباب بالهجوم المستمر على الفكر اليساري وعلي الاشتراكية، داعمة هذا الهجوم باساليب الارهاب غير الاخلاقية، وبفتح الابواب على مصارعيها لكل أنماط الحياة الامريكية وثقافتها.

وتوحي السلطة مثلا لاحد مأجوريها، بين الحين والآخر، لاختلاق مناقشة واسعة حول: ‘هل العرب يؤلفون شعبا؟’ وتملأ صحفها بالمصادر ‘والبراهين والأدلة العلمية القاطعة!’ علي أن هذه الشعوب المسماة غريبة ليست عربية!! ولم يكن من الطبيعي ان نجلس مكتوفي الايدي أمام مثل هذه الاسئلة، ودخلنا معركة طويلة مع أصحاب هذا ‘الفكر’. أورد ذلك فقط علي سبيل المثال. ثم إننا نحارب التثقيف الرسمي للشباب اليهود بروح الشوفينية والغطرسة القومية والتفوق العرقي وتزييف التاريخ، سواء كان ذلك في برامج التعليم ام الصحف أو الادب والفكر.

وفي الميدان الادبي، دخلنا عدة معارك حول الالتزام في الادب، وما هو الأدب؟ وهل هو الحياة أم لذاته؟ وغيرها من المواضيع التي اشغلت حياتنا الادبية، بشكل ملح، ذات يوم. ثم ان لابد من دخول معركة حول قضية كانت قضية الساعة: قضية الشعر الحديث، وغيرها من المناقشات الدائرة حول قضايا الفن والادب، والروايات العربية الرخيصة التي أغرقت المكتبات.

* ان شعرك وشعر زملائك يعتبر جزءا من شعر المقاومة العربي والعالي.. حدثنا عن مفهومك انت لشعر المقاومة.

– شعر المقاومة، كما افهمه، تعبير عن رفض الامر الواقع.. معبأ باحساس ووعي عميقين بلا معقولية استمرار هذا الواقع وبضرورة تغييره والايمان بامكانية التغيير. قد يبدأ هذا الشعر، غالبا، بالتعبير عن الالم والظلم، ثم الاحتجاج والغضب والرفض. ولكن لكي يفعل هذا الشعر مفعوله عليه ان يكون عملية للتغيير فيتسلح بنظرية ثورية ذات محتوي اجتماعي، وهكذا يجد نفسه شعرا جماهيريا. ان شعر المقاومة، بطبيعته. شعر ثوري. وكون هذا الشعر جماهيريا قد يهلك أشباه الشعراء فنيا، عندما تصبح النية الطيبة والمباشرة والخطابة الرنانة هي العناصر الاساسية في شعرهم. ان ‘اللعبة’ الفنية في شعر المقاومة تصبح اكثر انفضاجا. وعلى الشاعر ان يتداخل مع الواقع وينسق بكلمات متحررة من الهجاء والخطابة المباشرين. وأري ان من اتقي ميزات شعر المقاومة، عادة، الصفاء الانساني الشامل، فصرخة الانسان المضطهد المقاوم في أي مكان هي صرخة انسانية تخص كل انسان، والظلم والسجن والقتل والاضطهاد وقائع معادية للانسانية غير منحصرة في حدود جغرافية، ومقاومة الانسان لها هي عملية انسانية نبيلة. ويتمتع شعر المقاومة، عادة، بحساسية شديدة بالترنح كجزء من تمسكه بجذور عميقة تعينه على الصمود وعلى تبرير هذا الصمود واحتقار هذا الظلم الطاريء امام جبروت التاريخ.

وأنا أعد نفسي امتدادا نحيلا، بملامح فلسطينية، لتراث شعراء الاحتجاج والمقاومة ابتداء من الصعاليك حتى حكمت ولوركا واراغون الذين هضمت تجاربهم في الشعر والحياة، وأمدوني بوقود معنوي ضخم.

* كيف يتم التوفيق، عمليا، بين الشكل الجديد للشعر وبين الضرورة التي تواجهونها باستمرار لالقاء الشعر بين الجماهير العربية داخل اسرائيل؟.. حدثنا عن تجاربكم في هذا المجال؟

– بودي القول ان مهرجانات الشعر العربي في اسرائيل قد تحولت، ذات مرة، إلي احتفالات شعبية ينتظر الناس مواسمها. وأنا اذكر تلك الفترة بفرح حقيقي. كانت ساحة القرية أو المدينة أو دار السينما تزدحم بالناس من جميع الفئات والاعمار للاستماع الى الشعر بحيوية وتجاوب واضح، حتى ضاقت السلطات ذرعا بهذه الظاهرة ‘الخطرة’ وقاومتها بمختلف الوسائل ولجأت أخيرا إلي منع الشعراء من الانتقال من أمكنة سكناهم.

لم يكن المستمعون يفكرون ببناء القصيدة بقدر اهتمامهم بما تحمله من الصور والمعاني والايحاءات، واذكر أن القصيدة الاولي المنتمية إلي الشعر الجديد التي سمعتها في مهرجان شعري كانت للشاعر حنا ابوحنا، وقد استقبلت بحماس منقطع النظير لرشاقتها الفنية وبساطتها العميقة ومحتواها الثوري، أن انصار ‘الشعر القديم’ في بلادنا متشددون حين تكون القصيدة مطبوعة، ومتساهلون أشد التساهل حين تكون مسموعة، وهذا يؤكد لي ان إحدى صعوبات الشعر الجديد، بالنسبة لكثيرين من القراء، هي طريقة قراءته المتعسرة، فلا يعرفون متي تبدأ الفقرة الجديدة ومتي تنتهي الصورة الاولي لتلحقها الصورة الثانية وهكذا… وبالنسبة لي، فوجئت ذات يوم حين أصر المستمعون على الاستماع الى قصائد مكتوبة بالطريقة الجديدة. واذكر اني حين ألقيت، لأول مرة، قصيدة غامرت في بنائها الجديد هي ‘بطاقة هوية’ اجبرت علي إلقائها أربع مرات متتالية. ونتيجة تجارب عديدة ادركت ان القصيدة الانسانية، مهما كان بناؤها، يمكن ان تلقي امام الجماهير، بدون أي حرج. ثم ان القصيدة الطنانة الرنانة تخلق جوا ضوضائيا، بينما القصيدة الجديدة تنشر، بسرعة غريبة، جوا من الذهول الذي يحبه الشاعر في مستمعيه ولا أقول ان كل المستمعين يفهمون، دفعة واحدة، كل ما في القصيدة، ولكنهم يعيشون جوها ويفكرون بها. واعتقد ان علي الشعراء الجدد، لكي يعززوا مكانة الشعر الجديد، ان يزيدوا من إلقاء الشعر للجماهير لكي تعتاد عليه وتتحرر آذانها من النبرة الضخمة القديمة التي اعتادت عليها وتوارثتها جيلا بعد جيل.

* حدثنا عن أوضاع وتيارات الحركة الفكرية والادبية للكتاب العرب داخل اسرائيل.. وهل يوجد من باع نفسه للشيطان وراح يروج للمفاهيم التي تخدم السلطات؟

– استطيع ان اقطع، بسهولة وبسرعة، بأن التيار التقدمي هو التيار الحاسم في حركتنا الثقافية. ومن دلائل هذه الظاهرة هو ان التيار الاخر لايملك الجرأة الفكرية علي مواجهتنا. ان التيار الرجعي عديم النفوذ، وقد شاءت الصدفة المدهشة ان تكون العناصر الرجعية فقيرة المواهب. لنأخذ الشعر، مثلا، وهو وجه الادب العربي في اسرائيل. ان كل الشعراء المعروفين والموهوبين، وبدون استثناء، ليسوا تقدميين فحسب، ولكنهم ينتمون إلي الحزب الشيوعي. ان المعركة عندنا تدور بين الشعراء التقدميين والسلطة مباشرة، والعكاكيز الثقافية التي حاولت السلطة الاعتماد عليها كانت أضعف من اية مواجهة. فنجمت عن هذه الحقيقة ظاهرة جديدة هي ظاهرة الصمت. اننا نجد فئة من الموهوبين تعاني ازمة فكرية ونفسية أوقوفها امام احد اختيارين: إما الكتابة. والكتابة عندنا يشق، عليها الانفلات من الواقع الخشن، وأما الاحتفاظ بلقمة العيش والسلامة. وقد اختارت هذه الفئة الاختيار الثاني، فصمت البعض صمتا تاما، وتحفظ البعض من المواجهة.

أما العناصر الرجعية فانها تسعي إلي ترويج فكرة عدم جدوي الادب الواقعي، واشاعة اليأس والتشكيك، ولكن منابر هذه العناصر تهاوت، فان كل المجلات الثقافية الحكومية المدعومة بميزانيات ضخمة قد اضطرت إلي الاحتجاب، لا بسبب افلاسها المالي وانما بسبب افلاسها الفكري وعجزها عن كسب الانصار من الكتاب والقراء ان هذه الظاهرة ظاهرة فشل المجلات الحكومية، تثبت قوة نفوذ التيار التقدمي في أدبنا الإنساني المعبر عن مشاعر الجماهير وتطلعها الى حياة أفضل متحررا من الشوفينية ومن العدمية القومية. ومن أشد الادلة علي ذلك ان صحفنا الشيوعية ‘الاتحاد’ و’الجديد’ و’الغد’ ذات الموارد المالية الفقيرة تتمتع بتأييد القراء وعطفهم.

* ماذا تكتب الآن؟ وما هي مشروعاتك؟

– اكتب، في هذه الفترة، عن الحب الذي يولد وسط قضية، فيحمل ملامحها وهمومها ويصبح جزءا لايتجزأ منها. أريد أن أكسر الحائط الذي يفصل بين العاشقين وبين الشارع. فالعاشقان ليسا عاشقين فقط، ولكنهما ضحية واحدة وأمل واحد وكفاح واحد. لقد تحدثنا كثيرا عن التحام الخاص بالعام، ولكن هذه الظاهرة أصبحت تأخذ شكلا تلقائيا عندي خاصة في الاغاني التي اكتبها الان. ان طعم العاشقين يحمل مذاق الواقع الخشن.

* اي دور تطمع ان تؤديه، في الشعر، وبواسطة الشعر؟

– ان انقل قضية شعبي، بكل ابعادها، إلي الصفحات التي تستحقها في ديوان الشعر الإنساني، فهذه القضية حلقة من صراع الانسان المسحوق ليأخذ دوره الذي يستحق في الحياة وفي نشاط البشرية. ومن الظلم أن أطالب غيري بتأدية هذا الدور. ومهما يكن حجم الآلة التي أعزف عليها صغيرا، فان لها مكانها في التشييد الانساني الشامل.

Advertisements