الشاعر التونسي وليد الزريبي يكتُب مُدوّنة الخسارات الصّغرى

1

الكاتب الحر سليم دولة

كيف للواحد من البشر العاديين الذين تعتصرهم غصرات الحياة أن لا تذهب بروحه نوبات المالينخوليا السوداء الأشد بطشا بالأرواح التي في هشاشة أجنحة الفراش.. فكيف يكون الحال والأحول إذا تعلق الأمر بروح شاعر في عصر أصبح فيه حتى «الفاست فود» سبباً «للمالينخوليا» كما ورد الأمر في رواية «جون مارك باريزيس».

شذرات من المتن

1

آتيًا من زمن قروي
أو من شلاّل قصب.

2

كان الحلم سلّما
في يد الغيب
بينما مياه نازلة من عطش المطلق
تواصل طرق مساميرها في قدمي.

3

ذلك الشتاء في الزريبة
رأيت العالم يبتعد في نفسه،
رأيت أطفالا أشباحا يُدميهم الضّوء والموشّح
رأيت نايا مليئا بالثقوب يضع رأسه على كتفي أمّه.

4

البيت الذي لم يضق يوماً٬ بغريب
صار ينبح.

5

أسلّم على الأهلِ
على أمي أوّلا.

6

لا بُدّ أن أستدرج الملائكة..
إلى هنا،
حيث أنا غريق ووحيد.

7

لم تكنْ حياتي، وما كنتُ لأختارها..
هي فاجأتني.. وأنا همتُ في سرابها.
ومشينا في خضمّ العناد الكبير إلى التّلاشي..
هي لفّت جراحي والمناديل.
وأنا لبستُ خاتمها والمسامير.

8

لست مُحايدا لا في القراءة٬ مطلق القراءة ولا في الرواية ولا في الشعر بالخصوص.

إن معرفتي بنصوص الشاعر التونسي وليد الزريبي والتمرّس بها منذ ديوانه البكر «كاميكاز» مرورا بـ«ليه يا بنفسج» وصولاً إلى قصائد «ترامادول» تجعلني أملك ولو جزئياً الكفاءة الجمالية والعاطفية لأن أقول في شأن مكتوبه الشعري رأيا يخصّني ولا يلزم أحدا سواي. أن ما لا يعجبني من الدواوين والمدونات الشعرية قد كُتبت لسواي.

%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%af

وليد الزريبي شاعر. إنه شاعر إذا ما استحضرنا آخر ما كان وصل إليه أدونيس في تعريفه للشعر٬ وهو كونه «كيمياء لغوية» وبما هو كذلك فإن مجرّد تصفّح لمدونّة وليد الزريبي الصّغرى في مجال الشعر٬ تجعلنا ندرك أننا في حضرة كيميائي لغوي ماهر٬ ممّا يجعل الأداء الشعري لديه يُحَسُّ وليس بالضرورة يُفْهَمُ٬ كما هو شأن الشعر الكوني إذ يفترض ما يمكن لي تسميته «التواطؤ العاطفي» مع النص المقروء وفق توصية ثمينة ووازنة للرائع الفرنسي صاحب «النار في التحليل النفسي» غاستون باشلار الذي يوصينا بأنه: «إذا تعلّق الأمر بالعالم الذي يتألم لآلامنا ويحزن لأحزاننا علينا أن ننبسط معه كشرط رئيس لفهمه»، وبلغة أخرى إن التواطؤ العاطفي مع الشعر هو الذي يجعلنا نشعر لدى الشاعر وفي القصيد الواحد من شعره تقاطع أصوات اللذة والألم٬ القديمة والطارئة فيتأسس بذلك عقد صداقة بين أنامل الشاعر وأذن القارئ وبصره وبصيرته.

10

إن الشعر أشعار٬ وقد يكون الشعر الحق هو ذلك الذي يحملنا على مراجعة جميع جُمّاع مكتسباتنا العاطفية والتاريخية وكل ما من شأنه أن يكون قد ساهم في نحت هويتنا المركّبة لذلك ربما كان الشعر دائما يمثل خطرا على القناعات السائدة.

انطلاقا من هذا الأفق النظري بإمكاننا تقصّي سيرة الذات الشاعرة لدى وليد الزريبي في قصائد «ترامادول» لنعرف ما إذا كانت تُقيم في هوية ثابتة أم أنها تعي التشتّت العاطفي والمعرفي مدركة أزمات وضعها العلائقي بينها وبين ذاتها قبل سواها والآخر المُعاش معه الآن وهنا.

فماذا لو نتأمل استحضار بعض «كائناته الشعرية» في فضائها الحياتي كما استحضار «الحيوان» و«المدينة» و«الأصدقاء» و«الحب» وتمثّله حتى للأشياء كما الأدوات المنزلية مثلا وحالات الألم.

يكون الأداء الشعري مباغتا وطريفا كما في هذا الديوان حين ما نُصغي للشاعر وهو يصغي لبعض هنيهات الطفولة كما ورد الأمر في قصيد «أصغي لفرس عضّني»:

«هذا الشتاء،
يُعلّق الرّعاة أعشاشهم على عشبة الأناشيد
فيما نايات زرقاء، من بَلَلِ الكون
تسيل من معاطف الشجر.
هل عليّ أن أصدّق
أنّني جلست يوماً على كومة من تبن
غارقاً في الرماد
أصغي لفرس عضّني».

عضّة الفرس٬ عضّة الذاكرة٬ جرح الحاضر يتنادى مع جرح الماضي. لا شيء واضح في سديم العواطف غير ارتباك الحواس.

حسّيّ هذا الشعر. حسّيّ في ملموسيّته العامّة٬ لحميّ الوجع يكاد يُعاش فقط. غير أن للغة حيلها ومكرها في التموضع الحسّي على ساح الورق كيفما كان لون الورق.

فهل أنّ استحضار سيرة الذات الطفولية مع الفرس لمجرد متعة عابرة مثلا؟ أم أنه ثمة شيء آخر يريد الظفر به كما التحصّن من الحاضر بجروحه وجراحاته وإن كان ذلك الماضي الطفولي لا يخلو من غصّة وخوف.

الذاكرة الطفولية التي يحتمي بها وهو هناك وحين الشتاء في «الزريبة» – مسقط أرجل وعواطف الشاعر – لا تخلو من استحضار لمفردة من المعجم الحيواني التي يخلعها على ذات الإنساني لديه:

«لماذا إذًا أيتها الروح الذئبة لا تغسلين هذا الخوف؟
هل كان عليّ أن أتهجّى كتاب العمى حرفًا فحرفٍ
جفّفي أيتها الذئبة ثأرك وانهضي من عيني».

هل إن استحضار مفردة فعل «التهجّي» كما استحضار «كتاب العمى» لمجرد التسلية اللغوية أم أنه القناع الذي يتقدّم به الشاعر من الماضي يتقصّى به سيرة الحاضر.

تيمة الخوف٬ والقشعريرة والألم حاضرة في معظم نصوص الديوان حتى لكأن هذا الديوان الشعري يقرأ دفعة واحدة إذ هو في مجمله ترويض للخوف والألم والبكاء العاطفي آخر الليل.

ثمة وعي بضيق المكان الذي يضيق معه جلد الإنسان فينطبق على الروح٬ الروح المرتجف من الفضاء العام الانضباطي الجارح ويمكن استحضار قول الجد السُّلالي «شهيد دير العاقول» للشاعر ومن أقصد غير المتنبي حين يُشخّص حقيقة الحال والأحوال التي تذهب بالسكينة والطمأنينة إذ يقول:

«وضاقت الأرض حتى كاد خائفه إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا».

إذا استحضرنا الخوف ومفرداته فإن ديوان «ترامادول» عامر إلى حدّ الوجع بمفردات العزلة والشعور بالغربة في المدينة والعالم وإن كان لا يخصّ نفسه بمدوّنات الوجع حتى وإن كان لكل ذات أوجاعها التي تخصّها دون سواها. فحتى حين يكتب الواحد ما يعتبره جحيمه الخصوصي٬ على طريقة أرثر رامبو٬ فإن حزنه يفيض على المحيط٬ من ذلك أن من ينحر نفسه فانما هو يمحو بمحوه لذاته من الحياة كل مفردات الحب والصداقة.. الشعور «بلا شيئية» الذات وبلا معنى الحياة ذاتها هو ما يرفع القول الشعري إلى مصاف الوعي بالعدم:

«أنت لا تملك شيئا في هذا الوطن لتتفاخر به..
لا شيء.
لا شيء.
أنت لا تملك شيئا في هذا الوطن لتخجل به.
لا شيء.
لا شيء.
ومع ذلك يوجعك ما يوجع الناس..
وتبكيك أغنية.
ويسعدك ما يسعد الناس..
وتبهجك أمنية.
خارج كل الحسابات أنت، خارج ميزان الربح والخسارة..
فما الذي يدمي قلبك الآن مثل خطوة قديمة..
ويرمي بك مثل وعاء فارغ في سلة الأوطان؟
أنت لست وطنا وأنا لستُ مُدان».

هي ذات الشاعر إذن تتعرّى٬ لتمضي في كشف عاداتها السرية إن حبرا أو مزاولة للحياة في معيشها اليومي فكأنما هي تؤرّخ لأيامها وشهورها وسنواتها لمتواليات خيباتها فتتسلّح بالنفي كما ورد في النص «الدقيقة الخامسة والأربعين» حين تتأمل ذات الشاعر مشهداً مرئياً يكاد يكون بورنوغرافيا لم تحتضنه شاشة وإنما أنتجه مخيال يريد أن ينفصل عن وعي ومكر عن الحاضر الجارح.

قد تكون الإيروتيكا إنما هي ميتافيزيقا المخيّبين في الحياة والفقراء إلى أدوات الحياة٬ هكذا يبدأ المشهد:

«إمرأة عارية تماماً
بحذائها الطويل وخاتمها اللاّمع
كما لو أنها خرجت للتوّ من الدقيقة الخامسة والأربعين من فيلم لبيدرو ألمودوفار.
في الدقائق الموالية، في اللقطات التالية، ثمة أشياء ناعمة ستحدث بالتأكيد:
– كأن ألتقط لها صورة جانبية بأبعاد غير مضمونة بالمرّة.
– كأن أضع عليها عباءة سوداء شريطة أن يظل الجزء المشتهى عاريا كل مرة .
– كأن نتلصّص على رقّتها وهي تشوي قلبي بدقّة على الفحم.
– كأن أصبغها بالأحمر القاني وأضيف على زندها بالأبيض هلالا.
وأسمّيها على سبيل الرّمز وطني».

ليذهب أكثر:

«في حقيقة الأمر :
لم يكن ثمة وطن .
ولا هلال .
ولا لون أبيض .
لا زند .
لا لون أحمر .
ولا فرشاة .
لا فحم .
لا قلب .
لا شواء .
لا مطبخ .
ولا كاميرا .
لا شهوة .
لا أسود .
ولا عباءة .
لا أبعاد .
لا صورة جانبية .
ولا بيدرو ألمودوفار .
لا فيلم .
لا خاتم .
لا حذاء طويل .
ولا امرأة عارية .
كان ثمة فقط صدر محشوّ بالخسارات».

ليذهب أكثر فأكثر في تشتيت الخيال لتكتمل خيبات العاطفة:

«اليقين الوحيد أن المومس الأربعينية التي تقف خارج قاعة السينما ستشاهد الفيلم في العرض الموالي.
العرض الثاني:
الطالب والمومس الأربعينية آخر الفيلم لن يشاهدا القاعة…
سيكونان في فيلم خارج الكاميرا.
يتدخّل المخرج ليصحّح الوضعية التالية:
المومس الأربعينية
والطالب
خارج
الفيلم
يناقشان
القصيدة».

إذن لقد استقام خراب المشهد الجميل لينتهي بمناقشة قصيدة. ألم نتّفق أن الشعر يُحسّ وقد لا يُفهم٬ وهنا أصل المتعة الأدبية و«لذّة النص».

11

من أمتع ما شدّني في هذا المكتوب الشعري مراوحته العذبة بين الانبناء للمطلق باستحضار الأوجاع الوجودية كما طرح معضلة الموت التي تقترن تلازما بالحب المغدور والخيانة والمشاريع العاطفية الفاشلة والانشداد إلى استحضار أبسط التفاصيل اليومية كما «الطاولة» و«الذرائع الواهية» و«الأحزان السائبة» و«الأرق» والمعضلة الحاضرة بشكل مكثّف الوعي بالنقصان وبخفّة الأشياء والسخرية الجمالية من السخيف والمخيف كما ورد الأمر في «لا يثبت الموت أي شيء» لينتهي بإعادة صياغة تعريفات لبداهاتنا اليومية:

«الجسد روح زائفة
الروح جسد لا يُرى»

12

إن استحضار عنوان الديوان «ترامادول» لوحده دالّ على أنّه ثمة متواليات أوجاع لها مسيس علاقة بالوعي بالزمن٬ الوعي بالانفصال٬ بالتفكك، بالانفصام عن الوجود والموجود وذلك بالانفصال عن الحاضر. الحاضر الجارح الذي لا تحتمله رهافة الذوات الرهيفة أصلا. فلماذا استحضر الشاعر مفردة صيدلية لتكون عنوانا لديوانه؟ أليس الترامادول تركيبة كيميائية صيدلية / طبية تُستعمل في الحالات السريرية لترويض شراسة الآلام٬ تلك التي لا تقوى الكتابة الشعرية ذاتها على الذهاب بحدّة أوجاعها.

إنه يقوم مقام «حشيشة الفقراء» تلك التي يروّض بها المتصوفة والزهاد وأصحاب المفاوز شراسة أوجاعهم وانقباض وجه الحياة في وجوههم:

«كم تريد الشمس أن تكون صغيرة..
صغيرة.. لكي ترافقنا.
نحن في عتمة القلب..
الشمس تعرف ذلك..
وهي تنتظر أن نستفيق من حلم
الليلة الماضية».

13

كيف للواحد من البشر العاديين الذين تعتصرهم غصرات الحياة أن لا تذهب بروحه نوبات المالينخوليا السوداء الأشد بطشا بالأرواح التي في هشاشة أجنحة الفراش.. فكيف يكون الحال والأحول إذا تعلق الأمر بروح شاعر في عصر أصبح فيه حتى «الفاست-فود» سببا «للمالينخوليا» كما ورد الأمر في رواية «جون مارك باريزيس».

لا عزاء للسيد الشاعر التونسي وليد الزريبي ولا سلوان غير محبّة بنات الحبر.. وإن هنّ جحيميات. ما أجمل وألذ تصفّح ديوان «أصعب الخيارات وألذ الخسارات» هكذا أردت شخصيّا أن أسمّي هذا الديوان «الكاميكازي، العاطفي» بحق !!

Advertisements