المثقف العربي بين عولمة الثقافة وممكنات الخطاب البديل (2)

767

0

ناقشنا في الجزء الأول من هذه الدراسة مدى مقاربة اطروحات الخطاب الثقافي العربي للواقع وذلك من خلال عرض لوجهتي نظر تجاه قضية العولمة، وخلصنا إلى مجموعة من النتائج يمكن إجمالها في غياب الرؤية الواقعية السليمة في تشخيص الظواهر المختلفة وتفسيرها، إما لغياب المنهج أو لقصور في أدوات التحليل لدى النخبة المثقفة أو على الأقل لدى تيار سائد في الثقافة العربية وعلى نحو خاص في المرحلة المعاصرة.

وكان الهدف من هذه المناقشة هو تحليل آليات الخطاب الثقافي العربي الراهن وذلك لتطوير فرضية منطوقها: أن أحد أسباب إخفاقات المجتمع العربي على النهوض يرجع بالأساس إلى عدم مطابقة ومقاربة الفكر مع الواقع.

بالطبع هناك أسباب أخرى بعضها ذاتي (داخلي) وبعضها موضوعي تاريخي (خارجي). يمكن دراستها وتحليلها في مقالات أخرى، ولكننا في هذه القراءة نركز على البعد الثقافي وذلك أن دور المثقف والمفكر يكتسب أهمية كبيرة في المجتمعات التي تنتشر بها الأمية على نحو خاص، فالمثقف المنتج للفكر له سطوة وحضور طاغٍ لما يمتلكه من «رأسمال رمزي»، على صعيد الكتاب والمجلة والإذاعة ومدرجات الجامعات والمعاهد العلمية.

وللتحقق من الفرضية المتعلقة بمدى مقاربة الخطاب الثقافي العربي من الواقع وبشكل أكثر تحديداً من ظاهرة العولمة، نقدم قراءة لكتاب «ما العولمة»(*) وهو من صياغة مفكرين ينتميان لتيارين فكريين متباينين – ظاهرياً – هما: حسن حنفي وصادق جلال العظم، وهما  – بحكم التخصص الأكاديمي – أستاذان للفلسفة.

فقد تحصل حسن حنفي على الدكتوراه في الفلسفة من السوربون بباريس، ودرّس في جامعات عديدة في الولايات المتحدة الأمريكية والمغرب واليابان. وشغل منصب نائب رئيس الجمعية الفلسفية العربية وله مؤلفات عدة منها: مقدمة في علم الاستغراب، التراث والتجديد، الإسلام في العصر الحديث.

وصادق جلال العظم حاصل على الدكتوراه في الفلسفة الأوروبية الحديثة، وهو أستاذ زائر لقسم دراسات الشرق الأدنى بالولايات المتحدة الأمريكية.

– العولمة من وجهة نظر إسلامية

يلخص هذا العنوان رؤية حسن حنفي لمناقشته لظاهرة العولمة، ويضع هذا العنوان في صيغة سؤال، ويجيب عنه قائلاً:

مادامت وجهات النظر في العولمة تتعدد فلماذا لا تكون هناك عولمة من وجهة نظر إسلامية؟ ص12، ويستطرد: هناك وجهات نظر مختلفة بين اليمين المؤيد لمسار العولمة والتي يراها ظاهرة إيجابية، واليسار المناهض لهذا المسار ويراها ظاهرة سلبية، وأحد الأشكال الجديدة للهيمنة الغربية الرأسمالية ص12 ويفرق حنفي بين التيارات الإسلامية المختلفة، ويرى أن هناك إسلاما تقدميا وإسلاما محافظا.. والخلاف ليس بين الإسلام والعلمانية بل بين الاستقلال والتبعية. (ص16)

وبعد هذا التمهيد، يشير إلى أن ظاهرة العولمة ليست جديدة، وتبرز عندما تتصدر حضارة ما باقي الحضارات وتقود العالم، والحضارة العربية الإسلامية من بين هذه الحضارات (ص17) والعولمة – حسب حنفي – ليست ظاهرة اقتصادية أو سياسية أو تقنية أو معلوماتية فحسب، بل هي أساساً ظاهرة تاريخية مستمرة تعبر عن رغبة الشمال في السيطرة على الجنوب منذ الحرب بين روما وقرطاجنة.. إن القضية هي لصالح من كانت العولمة؟ ص19. وخلال صفحات عديدة يحشد حنفي في ثناياها مصطلحات ومفاهيم وعبارات متداخلة ومتضاربة دون حجة واضحة أو برهان علمي أو تحقيق لفرضية ما، وبمعنى آخر؛ إن أفكار حنفي لا يمكن البرهنة عليها أو دحضها على السواء.

وقد لاحظ «العظم» ذلك، ووصفها بأنها «سردية عفوية لا يلتزم سيلانها بأي منهج بحثي معين أو تسلسل ظاهر أو توجه تفسيري محدد، حيث تحتوي على كل ما هو تحت الشمس تقريباً: الصوفية وسير الأبطال ومصر القديمة والصين والهند وفارس والحروب الصليبية والزمن الوجودي والمنهج الظاهراتي وما بعد الحداثة وثنائية الأنا والآخر والاستعمار والاستشراق والاستغراب الخ». (ص ص 279 – 280).

وتحت عنوان فرعي: دفاع الثقافة العربية ضد مخاطر العولمة، يقول حنفي ما معناه أن الدفاع لا يعني الانغلاق على الذات وإنما يتأتى بإعادة بناء الموروث القديم.. وكسر حدة الانبهار بالغرب ونقضي على عقدة الرهبة من الآخر.. وعلى هذا النحو – والكلام لحنفي – تكمل الأنا تحررها الثقافي تطويراً لتحررها السياسي والاقتصادي وحفاظاً عليهما.. وتنهي الأشكال الجديدة للهيمنة القديمة وتعيد التوازن لحوار الحضارات وتجعلها كلها على مستوى التكافؤ والندية. (ص ص57 – 60)

وبجمل إنشائية من هذا النوع يقترح حنفي سبل الدفاع ضد العولمة، ليس هذا فحسب بل يقول بالتحرر الثقافي كما تحرر العرب سياسياً واقتصادياً. ولنتساءل :هل يعبر هذا الخطاب عن واقع نعرفه جميعاً أم عن حلم في علم الغيب؟ هل تحرر العرب – حكومات وشعوبا – من الاستعمار السياسي والاقتصادي بالفعل لكي نستكمل التحرر الثقافي من هيمنة العولمة؟ كل المؤشرات والإحصاءات والوقائع المعاشة تقول بعكس هذه الحالة تماماً. وللتدليل على هذه الفكرة نستشهد بكلام حنفي نفسه وفي نفس الكتاب: فأوروبا تسيطر على الدول العربية الواقعة في شمال إفريقيا ص46 وقيم ثقافة العولمة تسيطر على القنوات الفضائية وعبر أساليب الحياة اليومية في الطعام والكساء والمواصلات ونظم التعليم وطوابير الهجرة على أبواب السفارات الأجنبية. (ص29) وتقع الحروب بين العرب ويتشرذمون بين السنة والشيعة والمسلمين والأقباط ولا مساس بالحدود التي ورثناها عن الاستعمار القديم. (ص ص20 -21)

ويقترح حنفي آلية دفاع ضد العولمة بقوله أن الأنا (العربية) لها قدرة على المواجهة وذلك: بإحضار الماضي والمستقبل في الحاضر فهو السبيل للمزج العضوي بين الخصوصية والعولمة، (ص61). ومن وجهة نظره لا يوجد فرق بين أن يتم تحرير الأرض باسم الخصوصية والجهاد في سبيل الله ،وبين أن يتم دفاعاً عن الحريات العامة للأفراد والشعوب، ولا ضير أن يتم تحقيق العدالة الاجتماعية باسم الزكاة وبين أن يتم ذلك باسم الاشتراكية أو الماركسية.. فالغاية واحدة واْن اختلفت الأطر النظرية. (ص ص62-63)

وكما سبق وأن أشرنا فإن «مقولات» من هذا النوع لا يمكن إدراجها في خانة البحث العلمي وذلك لعدم إمكانية البرهنة عليها، وهي ليست «فرضيات» يمكن اختبارها والتحقق من صدقها، وهذا ما حدا بصادق جلال العظم إلى وقوفه حائراً أمام خطاب «حنفي» فهو ليس بحثاً أو دراسة أو مقالة أو خطابا إنشائياً تعبوياً.(ص278.

إن إحدى مشكلات الخطاب الثقافي العربي – وتداعيات حسن حنفي النموذج الأبرز بامتياز – وقوعه في النظرة التبسيطية لتجليات الظواهر الفكرية والاجتماعية من ناحية، وغياب الرؤية العلمية في التحليل من ناحية أخرى .وندلل على هذا الاستنتاج بمثالين وردا عند «حنفي»، فعلى الرغم من أنه قدم آراءاً حول العولمة وتجلياتها بل واقترح سبل مواجهتها فإنه لم يعتمد تعريفا إجرائياً واحداً لمفهوم العولمة، يمكن من خلاله وضع مؤشرات لتحديد هذه الظاهرة، فلقد قدم أكثر من عشرين تعريفاً منها: (العولمة مفهوم برز لأحكام السيطرة على العالم) وهي (أسطورة من أساطير العصر مثل نهاية التاريخ وصراع الحضارات)، وهي ثالثاً (ظاهرة قديمة قدم التاريخ) وهي (الاسم الحركي للأمركة)، وهي (جزء من جدل التاريخ )الخ..، ولذلك كان من المنطقي أن ينهي حنفي سرد «مقولاته» بحل يلغي التناقض والتباين بين تيار المدافع عن العولمة وتيار المتصدي لها، وهو حل توفيقي أو تلفيقي أو كلاهما إن شئت، حيث يرد بالنص: إن الخلاف بين الخطابين «خطاب الخصوصية وخطاب العولمة» خلاف في اللفظ، فهذا يستعمل ألفاظ القدماء، وذاك يستعمل ألفاظ المحدثين، هذا يستمد فكره من التراث والآخر يستمد فكره من الحداثة وكلاهما نقل، والخلاف فقط فيمن ينقل عنه… وقد يكون الخلاف في الإحساس بالزمان وحركة التاريخ، فهذا يرى أن الماضي أفضل من الحاضر.. والآخر يرى أن المستقبل أفضل من الماضي.(ص ص 63 – 64).

بهذا الحل السحري يلغي «حنفي» الاختلافات الفكرية والخلافات الاجتماعية والتباينات السياسية والتناقضات الاقتصادية بين التيارات والمدارس والاتجاهات في هذا العالم، تجاه العولمة أو غيرها من القضايا، والأكثر من هذا فإنه في ختام «مقولاته» يلغي ما قدمه هو نفسه من مفاهيم وآراء أنفق أكثر من ستين صفحة في تدبيجها، طالما إن الخلاف لدى البشر هو خلاف في اللفظ لا في المقصد، وإن أنصار العولمة ومناهضيها يسعون لغاية واحدة (دون أن يدروا)!! وهذا الاستنتاج وصل إليه “حنفي” دون باقي المفكرين، من العرب وغير العرب.

– العولمة ظاهرة اقتصادية

يقترح “صادق جلال العظم” مفهوماً اقتصاديا لتفسير ظاهرة العولمة، ويرى أنها “حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء، في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ” ص136. وعلى الرغم من أن المدخل الرئيسي للعولمة كما يراه ويركز عليه “العظم” هو مدخل ثقافي، حيث يشير إلى ظاهرة الجدل الثقافي العالمي حول بعض الإنتاج المعرفي كصدور كتاب “الاستشراق” لإدوارد سعيد و”آيات شيطانية” لسلمان رشدي و”نهاية التاريخ” لفوكوياما و”صدام الحضارات” لهنتجتون، ويرى أن النقاش الواسع والعالمي لهذه الإصدارات هي ظاهرة حديثة وهي إحدى تجليات العولمة ص ص68-75، ويعود “العظم” في نهاية أطروحته لتأكيد المدخل الثقافي لتفسير وفهم ظاهرة العولمة ص224 وما بين المدخل والخاتمة، أي حوالي “160” صفحة يشكل التحليل الاقتصادي جوهر الاطروحة القائلة بالعامل الاقتصادي الذي يفسر ظاهرة العولمة.

يستشهد “العظم” بالتحليلات اليسارية المختلفة ليفسر بها العولمة وتجلياتها، فهو على سبيل المثال يورد المقولات المدرسية اليسارية لـ”جاندر فرانك وروزا لوكسمبورغ وكاوتسكي الخ..” وهي اجتهادات وضعت في بدايات القرن الماضي ينفض عنها “العظم” الغبار لكي يفسر ويشرح ظاهرة العولمة التي يراها قد بدأت مع نظام القطبية الواحدة، والتي يرى أنها “أي العولمة” تمثل الإمبريالية العليا أو “السوبر –إمبريالية” على حد تعبيره. أما عن آثار العولمة على الدول الأطراف فيجملها في الآتي:

1- تميل العولمة إلى تصفية أشكال الإنتاج غير الرأسمالية وتصفية شروطها لصالح الشكل الرأسمالي.

2- الميل إلى تحويل كل المنتجين المباشرين في التشكيلات الطرفية إلى العمل المأجور، مع التراجع السريع والعميق للترتيبات الاجتماعية والقانونية التي كانت تضمن للفرد حقاً في دخل ما.

3- الميل إلى تعاظم البطالة بجميع أشكالها وأنواعها.

4- الميل إلى ارتباط القطاعات المحلية في الأطراف بالمؤسسات في المركز أكثر من ارتباطها بالقطاعات الاقتصادية المحلية في البلد الواحد. ص ص182-200.

وفيما يتعلق بفكرة تراجع دور الدولة في ظل الهيمنة العولمية فإنه يتبنى وجهة نظر مخالفة، حيث يقول أن دور الدولة سيتعاظم وسيبقى مهماً وحاسماً في حماية الاستثمار المباشر الأجنبي وتشجيعه ورعايته، وتوفير المناخ الملائم له واللازم لإزدهاره وتقدمه في البلدان الطرفية. ص ص 184 – 202.

على الصعيد الثقافي، يشير “العظم” إلى احتمال نشوء بنية ثقافية عولمية عليا تضاف إلى بنية الثقافات العالمية المحلية، ويتساءل: هل نشهد تكوّن نخبة ثقافية عولمية عابرة للقارات والثقافات والقوميات والدول واللغات.. ألا يستلزم التطور نشوء نخب ثقافية موازية تقوم بسد حاجات النخب الصناعية والمالية والتقنية بحاجاتها الفكرية والفنية والأدبية؟ ص220.

لقد بذل “العظم” جهداً كبيراً في تحليل الجانب الاقتصادي من ظاهرة العولمة، إلا أنه ينطبق عليه ما سبق أن أشرنا في مقالنا السابق وهو اعتماد نصوص واجتهادات يسارية لم تثبتها التجربة من ناحية، وإيرادها بشكل يوحي بأنها مقولات مقدسة وثابتة عبر الزمن، وأنها تفسر الوقائع والأحداث لا العكس، أن المنهج العلمي يقول أن النظريات والفرضيات الفكرية هي نتاج للواقع العملي المتغير بتغير ظروف وشروط الحياة الإنسانية.

ويمكن في الخاتمة وبعد تحليل وقراءة الخطاب الثقافي العربي في اتجاهاته الرئيسية اليسارية والليبرالية والعلمانية والإسلامية، ومن خلال ما تم عرضه لأربعة مفكرين الاستنتاج أن هذا الخطاب يعد مؤشراً على فقر وتراجع الرؤية الفكرية عن قراءة الواقع العربي المعاصر وأزماته المتعددة، وأنه لم يقدم أجوبة متقدمة عن أسئلة مفكري عصر النهضة، الذين قدموا رؤية تنطلق من الواقع الاجتماعي والسياسي من خلال تساؤلهم حول: ما العمل؟ لردم هوة التخلف واللحاق بركب الحضارة.

* كاتب من ليبيا
(*) حسن حنفي – صادق جلال العظم، ما العولمة، دار الفكر، دمشق، 2002، ط2.
(**) لمزيد من الاطلاع انظر: برهان غليون، سمير أمين، ثقافة العولمة وعولمة الثقافة، دار الفكر، دمشق 1999.
Advertisements