الماضي بوصفه مستقبلاً

_173

آرام*

إننا في زمن كل شيء فيه يحيلنا إلى الماضي، ويجبرنا على التحنّط فيه، لا بل هناك قوى كثيرة محلية ودولية تعمل جاهدة على تحويل حياتنا إلى متحف.
هل يمكن القول إننا شعوب تعيش في الماضي وتختزنه في دمائها، وإن ثقافتنا بل وجودنا برمّته يتمحور حوله، ويتنفس هواءه، ويعيش فيه، وإن قيمنا ومثلنا العليا تأتي من التاريخ، ولا تأتي من المستقبل؟
إذا كان الجواب نعم وهو على الأرجح كذلك، ترى كيف يمكننا حقا أن نتغير؟ والكلام هنا على مستوى شعوب وليس عن أفراد، كيف يمكننا أن نجدد حياتنا وفكرنا، وأن نكون في مستوى العصر.

ترى هل نجازف إذا ما قلنا إننا شعوب ترفض التغيير وتحاربه بكل الوسائل الممكنة وما أكثرها؟ لا بل تعمل على محاربة الأفراد الخارجين على ثقافة القطيع وقوانينه البالية، وسياسته ولغته، الماضي حين يتحول إلى سلطة قائمة بحدّ ذاتها، وأداة من أدوات الطغيان، وعنصر جمود وانغلاق وتقوقع وأحد أكبر الجدران العالية والصلبة في وجه المستقبل.

 ما العمل حينما يكون الماضي مرجع جميع القيم؟ حين يكون مؤسسة ضخمة لا بل ربما أقرب إلى الدولة بكوادرها ومثقفيها ومواطنيها، دولة لها جيش ومحاربون، لا غاية لها إلا استعادة التاريخ المجيد وهو في مجمله تاريخ دموي، والعمل على تأبيده.

 هل يعتبر من المبالغة القول إن العقل العربي هو عقل صحراوي بما تعنيه الكلمة من خواء وفراغ، لا بما تعنيه من أفق مفتوح على اللانهاية، وإن الإنسان مهما واكب أدوات التطور واستخدم منتجات العلم الحديثة، تظل الصحراء نائمة في حنجرته ويظل يجترّ حكمته الخالدة وأقواله المأثورة، ويحن إلى خيمته؟

 إننا في زمن كل شيء فيه يحيلنا إلى الماضي، ويجبرنا على التحنط فيه، لا بل هناك قوى كثيرة محلية ودولية تعمل جاهدة على تحويل حياتنا إلى متحف وتحويلنا إلى قطع حجرية يأكلها الغبار، أما ما يسمح لنا القيام به هو محاربة بعضنا بعضا باسم هذا الماضي أيضا، وتبديد ثرواتنا، في حروب عبثية وتحويل حاضرنا إلى مسرح تتطاير فوقه أشلاؤنا في كل الجهات، وما الحرب القائمة الآن في أكثر من مكان في بلداننا العربية، سوى حرب من أجل استعادة الماضي، ومن أجل استعادة انتصار مفترض.

 يتجه العربي عموما والمسلم خصوصا، نحو الماضي بوصفه مستقبلا، يحتذيه ويقتدي به ويتشبه بسلفه الصالح وفقا لمنطقه الإيماني أو الديني، ومن هنا أحد أهم نقاط التناقض وأحد أبرز أوجه الانفصام الزماني، حيث يعيش الإنسان مستسلما لكل حداثته وتقنياته المعاصرة وفي الوقت ذاته، عينه وقلبه على ذلك الماضي السحيق، المثالي، الكامل ومطلق البهاء، فلا هو ابن هذا الزمن ولا قادر على أن يكون جزءا من حضارته، إنتاجا وصناعة وليس استهلاكا فحسب، ولا هو ابن ذاك الزمن الغائب الغائر في غياهب التاريخ، هكذا يراوح في اللامكان واللازمان، حاشدا كل طاقاته في خدمة ماض لا يمكن أن يعود، مغلقا جميع أبوابه في وجه مستقبل لا يعرف طريقا للوصول إليه.

 (*) كاتب وشاعر من سوريا

هل يمكن القول إننا شعوب تعيش في الماضي وتختزنه في دمائها، وإن ثقافتنا بل وجودنا برمّته يتمحور حوله، ويتنفس هواءه، ويعيش فيه، وإن قيمنا ومثلنا العليا تأتي من التاريخ، ولا تأتي من المستقبل؟

إذا كان الجواب نعم وهو على الأرجح كذلك، ترى كيف يمكننا حقا أن نتغير؟ والكلام هنا على مستوى شعوب وليس عن أفراد، كيف يمكننا أن نجدد حياتنا وفكرنا، وأن نكون في مستوى العصر.

ترى هل نجازف إذا ما قلنا إننا شعوب ترفض التغيير وتحاربه بكل الوسائل الممكنة وما أكثرها؟ لا بل تعمل على محاربة الأفراد الخارجين على ثقافة القطيع وقوانينه البالية، وسياسته ولغته، الماضي حين يتحول إلى سلطة قائمة بحدّ ذاتها، وأداة من أدوات الطغيان، وعنصر جمود وانغلاق وتقوقع وأحد أكبر الجدران العالية والصلبة في وجه المستقبل.

ما العمل حينما يكون الماضي مرجع جميع القيم؟ حين يكون مؤسسة ضخمة لا بل ربما أقرب إلى الدولة بكوادرها ومثقفيها ومواطنيها، دولة لها جيش ومحاربون، لا غاية لها إلا استعادة التاريخ المجيد وهو في مجمله تاريخ دموي، والعمل على تأبيده.

هل يعتبر من المبالغة القول إن العقل العربي هو عقل صحراوي بما تعنيه الكلمة من خواء وفراغ، لا بما تعنيه من أفق مفتوح على اللانهاية، وإن الإنسان مهما واكب أدوات التطور واستخدم منتجات العلم الحديثة، تظل الصحراء نائمة في حنجرته ويظل يجترّ حكمته الخالدة وأقواله المأثورة، ويحن إلى خيمته؟

إننا في زمن كل شيء فيه يحيلنا إلى الماضي، ويجبرنا على التحنط فيه، لا بل هناك قوى كثيرة محلية ودولية تعمل جاهدة على تحويل حياتنا إلى متحف وتحويلنا إلى قطع حجرية يأكلها الغبار، أما ما يسمح لنا القيام به هو محاربة بعضنا بعضا باسم هذا الماضي أيضا، وتبديد ثرواتنا، في حروب عبثية وتحويل حاضرنا إلى مسرح تتطاير فوقه أشلاؤنا في كل الجهات، وما الحرب القائمة الآن في أكثر من مكان في بلداننا العربية، سوى حرب من أجل استعادة الماضي، ومن أجل استعادة انتصار مفترض.

يتجه العربي عموما والمسلم خصوصا، نحو الماضي بوصفه مستقبلا، يحتذيه ويقتدي به ويتشبه بسلفه الصالح وفقا لمنطقه الإيماني أو الديني، ومن هنا أحد أهم نقاط التناقض وأحد أبرز أوجه الانفصام الزماني، حيث يعيش الإنسان مستسلما لكل حداثته وتقنياته المعاصرة وفي الوقت ذاته، عينه وقلبه على ذلك الماضي السحيق، المثالي، الكامل ومطلق البهاء، فلا هو ابن هذا الزمن ولا قادر على أن يكون جزءا من حضارته، إنتاجا وصناعة وليس استهلاكا فحسب، ولا هو ابن ذاك الزمن الغائب الغائر في غياهب التاريخ، هكذا يراوح في اللامكان واللازمان، حاشدا كل طاقاته في خدمة ماض لا يمكن أن يعود، مغلقا جميع أبوابه في وجه مستقبل لا يعرف طريقا للوصول إليه.

كاتب وشاعر من سوريا

Advertisements