حوار مع المخرج المسرحي فرج أبو فاخرة

الثقافة ينتجها الناس.. لكن العملية الثقافية معطّلة في بلادنا

%d8%a8%d9%84

حاوره: ناصر محجوب

فرج أبوفاخرة ليس مجرد اسم في عالم الإخراج المسرحي والدرامي. فهو قبل كل شيء أحد المثقفين الليبيين من ذوي الرؤية الدقيقة والوعي الحاد بالمسألة الثقافية في ليبيا، وخلف رؤيته تلك تكمن حلول كثيرة لمجمل المعضلات والإشكاليات التي تعاني منها ليبيا في المرحلة الحرجة التي تعيشها الآن.

المخرج فرج أبوفاخرة لا يتوقف عند الصعوبات التي تعترضه، بل يزيح جانباً كل ما من شأن أن يؤدي إلى عرقلة العمل وتواصل رسالته واستمرارها، كما يدفعه إصراره على إنجاز العمل أحياناً إلى التخلّي عما يعتبره آخرون من الضروريات، وفي هذا الجانب يقول: أنه يعتبر نفسه كمن يمسك بجذع الشجرة الأصلية بكل ما تحتويه من ثقافة وعرف ودين وغيرها من الأصول، لذلك لا يأبه للفروع الصغيرة.

التقينا به في بنغازي وأجرينا معه الحوار التالي الذي يعرّف بتجربته الرائدة ويلقي الضوء على بعض الجوانب الأخرى من الواقع الثقافي والفني في ليبيا:

محجوب: المسرح ليس عرضاً فقط، هو وسيلة تفكير ووجهة نظر في العالم وأسلوب حياة.. كيف يحدّد بوفاخرة تقنيته في الإخراج، وما هي الرسالة التي يريد إيصالها؟

أبوفاخرة: أولاً أشكر هذه الرائحة الثقافية المغاربية لمجلتكم وأنا سعيد بها في الحقيقة، ولدي إحساس أن يكون لها صدى جميل لأن وراءها نخبة ذات توجه ثقافي مغاربي راقٍ، وعربي بشكل عام.. مايخص سؤالك، لم أتوقع أن تبدأني بسؤال بهذا العمق وهو سؤال مركب أيضاً.. العالم الآن أصبح قرية صغيرة وفي هذه القرية أصبحت هناك إشكالية كبيرة جداً عند المبدع بشكل عام لأنه إذا لم يكن لديه ما يضيف إلى هذه القرية كقيمة، فهو بذلك سيكون خارج اللعبة، اللعبة الحقيقية للإبداع، ومن هنا يصبح لزاماً عليك من مكانك من هنا أن تحدّد كيف تنطلق وتصبح جزءاً، ولو كان بسيطاً، من المشهد العام، سواء كان المشهد العربي أو العالمي، وهذا هو مكنون توصيل الرسالة وتحقيق الانتشار، وفي هذه الجزئية فأنا بدون أي تحيز، أو كذا، يمكنني هنا أن أشير إلى المسرح التونسي الذي لعب دوراً كبيراً جداً في إيصال رسائله، وحقق الانتشار خارجاً وإلى أوروبا، وأعلن عن نفسه في المشهد العالمي، وأوصل أن هناك عرباً يمارسون المسرح، والرسالة الوحيدة بالنسبة لنا كعرب التي يجب أن تصل إلى العالم هي رسالة المختبر الإبداعي الجديد المتجدد في تونس، والقديم الجديد في مصر، وأتمنى لبقية الأقطار العربية التي لها تقاليد مسرحية مثل العراق وسوريا والجزائر أن تخرج قريباً من هذا الإرتباك لكي تواكب.

محجوب: حسناً .. هل لنا أن نعرف كيف يحدّد بوفاخرة تقنيته في الإخراج؟

أبو فاخرة: وأيضاً مازال سؤالك مشاكساً، لأننا سبَقنا العرب على الحصان، لكن سأخبرك شيئاً؛ هذه التقنية تعتبر متحرّكة أو هي ثانوية بالنسبة لي، لأن الهم الأكبر لدي هو الفكرة والمضمون، فماهية الرسالة هي التي تحدّد تقنيتها، وبذلك تعلن عن نفسها عن ذاتها برؤية علمية حقيقية بقراءة صحيحة متوازنة، ونحن قراءتنا في الوطن العربي قراءة ناقصة بصدق.

محجوب: كيف؟

أبو فاخرة: هناك شخصية أخرى تقرأ بين الكاتب وبين المخرج لها غياب تام في المسرح العربي بعامة، وبذلك نفقد التوازن، هذه الشخصية هي ما نعرفه باإسم الدراماتورجيا، ويمكن أن أقول لك باختصار أن الدراماتورجيا هو شخص يدرك فن بناء الدراما، رغم أنه تعريف أو تعبير مادي، ففي غياب الدراماتورجيا يختل التوازن. وبهذا المثلث الرائع عندما يتكامل تفرز الحالة أو الرؤية تقنياتها وكل ما يشمل سينوغرافيا المكان وتأثيث الفضاء، وبالنسبة لي أنا وفي هذه الحالة من عدم تكامل أضلاع هذا المثلث أحاول أن ألعب لعبة أخرى.. نحن يا صديقي لدينا مثل ليبي يقول: (دير التقطيع اللي يخش البرمة)، بمعنى أنه يجب إنجاز الشيء حسب الإمكانيات، حتى لا أتعرى.. نعم حتى لا أتعرى، هكذا الآخر (المتلقي) سوف يحترمني.

محجوب: الوطن المشتّت، والذي يزداد انهياراً يوماً بعد يوم.. ما هي مساهمة المسرحيين لإنقاذه ثقافياً؟

أبو فاخرة: أولاً لن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، طبعاً هذه القصة وهذا الارتباك في داخلنا أصلاً وليس في خارجنا، ونتيجة هذا الارتباك أصبحت كل أمورنا وحتى في إبداعنا تتحدد من ثقافة الفعل ورد الفعل، وليس بناء على ثقافة الانصات والتفاعل، ثقافة الحوار، ولا أقصد كلمة حوار المتداولة والتي أصبحت تُلاك وتطلق جزافاً، أنا أقصد الحوار الذي عرفته في المسرح برقيّه.. وحتى الخبيث أو صاحب الفكرة الخبيثة يحاول أن يدافع عن رأيه برقي. فغياب الحوار بين المبدعين شتت الفكرة وخلق عزلة في اللاوعي، وبالتالي تبعثرت القدرات والأفكار، ولم نبنِ بيئة سليمة ومحيط يمكنه أن يحتضننا بل بالعكس تكونت (البيئة الطاردة) وتشتت المبدعون بين المهجّر سواء كان في أوروبا أو غيرها، وهناك من قدم نصه المميز وفعل ما عجز عنه أهل الحضارة – أو العالم الأول إن صح التعبير- بشكل شخصي واستطاع أن يحمل صفة العالمية وهناك من بقى في الداخل، إما مهمشاً أو مركوناً في زاوية ما، فلم يرى أو يشاهد، ولم يسمعه أحد بشكل جيد ولا يجد من يحاوره، فتاه في وطنه وتاه في نفسه، فأنا أرى الخلل حقيقيةً ليس في إبداعنا أو في أفكارنا، بالعكس، أنا شخصياً شاءت لي الظروف أن أقيم فترة في أوروبا، وفي محيط مليء بالعباقرة والأساتذة في أكاديمية علمية وفنية، والفارق الوحيد أو لنقل الفارق الخطير هو أننا نحن هنا لم نخلق الوعاء الذي يجمعنا، مشكلتنا في التفتت، ليس هناك وعاء شاعري حقيقي يخلق التفاعل ويفرز التجربة، وللأسف فإن الأنظمة لعبت دور كبير في خلق جسور وهمية بين المبدعين، وأخذت تصدر لأصوات هي في الحقيقة أبواق وأغلبها كان دون المستوى ولاتمثل التجربة الإبداعية الحقيقية.

محجوب: هذا في زمن ونعتبره قد مضى، زمن الدكتاتوريات، والآن؟

أبو فاخرة: نعم ربما الزمن يكون قد مضى وانتهى، ولكن بقت تراكماته، إنها الأسباب الكامنة والتي يجب معالجتها الآن بكل موضوعية.

محجوب: حسناً وإذا تحولنا إلى الحالة الليبية أو الساحة الليبية الآن، وأنت باعتبار وجودك في بنغازي الآن – معقل المقاومة – وتزامناً مع عودتها للحياة وتحررها من بطش الإرهاب ومحاولة إرجاع ملامح الدولة لها.. أين مساهمة المسرحيين في  ذلك؟

أبو فاخرة: أولاً أنا حزين جداً على بلدي وما حدث فيها من عنف كان يمكن تفاديه.. ولكن في هذا الضباب الذي كاد أن يتحول إلى سواد، أعتبر نفسي الآن موجوداً في نقطة ضوء جميلة وهي مدينة بنغازي، أو كما نحب أن نسميها (قبيلة ليبيا)، وعندما تكون في وسط قبيلة بلدك فأنت موجود في كل المناطق الأخرى، ولذلك فإننا نعمل على أن ينجلي هذا الضباب بيننا وبين الآخرين.. وعلى مستوى العمل على الساحة فمنذ 29 مارس 2011 أسسنا نقابة الفنانين، وانطلقت الأعمال وقد قدمت في تلك الفترة عمل باسم (البريقة) بوجهة نظر ثقافية وليست سياسية، وإن كان محتواه أو فكرته تدور عن اللحمة الوطنية، وتتحدث عن أخوين اثنين كل منهما في ضفة ولم يصلا إلى نتيجة، وأتمنى أن يصلا إلى نتيجة.

محجوب: وعن الناحية الإدارية، أو ما يتصل الآن بوزارة الثقافة، في هذه المنطقة المحررة، ما دورها وما قدمته لإنقاذ بقية الوطن؟

أبو فاخرة: هذا سؤال جميل، وأعجبتني فيه جزئية المؤسسة، أو ما يسمى بالعملية الثقافية. العملية الثقافية من عشرات السنين غير موجودة.. وحتى بعد الثورة مباشرة ربما كانت هناك أولويات أخرى فغابت العملية الثقافية وما يترتب عنها، غابت الهيكلة فتم تمييع الحقوق والواجبات، أما الثقافة فهذا موضوع آخر ينتجه الناس في كل العالم، وربما أقول لك البسطاء أيضاً، ولكننا نفتقد إلى المنظم الذي ينظم هذا الإنتاج ويخلق له البيئة المناسبة، وبالتالي الوعاء الصحي الذي يحدد الحقوق والواجبات ويدافع عنها ويضمنها، ومع الأسف الشديد هذا يؤثر كثيراً، ولكن أخيراً في الحقيقة، بعد ما جاهرت الأجهزة الأمنية بملامح الدولة، وأنا أحييهم بصدق وبإكبار، بدأت الوزارة فيما يبدو تلملم في نفسها وتتخذ إجراءاتها، فكان أمام الفنان المخرج خالد نجم أن يسرع في اتخاذ إجراءات عملية لتنظيم العملية الثقافية وإرساء البنية التحتية التي لا يمكن العمل بدونها كما كان يحاول المتخبطون، وهذه الخطوات التي اتخذها الأستاذ خالد مشكوراً عليها، لأنه ولا واحد مما سبقوه في عشرات السنين انتبه أو تحرك في هذا الاتجاه أو التفت إلى هذا الموضوع الخطير لأنه يؤسس لبنية تحتية لبناء المؤسسات التي نريد، فنتج عنها لجنة عليا لإعادة القوانين واللوائح للإعلام والثقافة بشكل عام، وهذه لجنة على مستوى ليبيا تضم أساتذة هم في المستوى مثل علي العباني عن الفنون التشكيلية والدكتور عبدالله السباعي عن الموسيقى، والمخرج الرائع عزالدين عبدالكريم عن الإذاعة والتلفزيون, والكاتب علي الفلاح عن المسرح، والمثقف الوطني الإعلامي المتميز محمود البوسيفي، وأيضاً الأديب المعروف مفتاح قناو عن الأدب والقانون، الإعلامي القدير خليل العريبي، كمنسق لجان، وأنا شخصياً أعتبر مقرراً لهذه اللجنة، بدأنا الآن في التجمع، وقريباً سنبدأ في تجميع مواد القوانين واللوائح والعمل عليها في الطريق الصحيح حسب ما أرى.

محجوب: أستاذ فرج بوفاخرة.. لنعد إلى المسرح.. ثنائية التقليد والتجديد معادلات يومية في الإخراج المسرحي، أين يقف أبو فاخرة في هذا المسار الطويل؟

أبوفاخرة: سأقول لك وجهة نظري في المعادلة، ولكن ليس أين أقف فذلك موضوع آخر لا أحدّده بسهولة، أو قد يحدّده الآخر ولست أنا.

محجوب: تمام.. هذا هو المقصود وجهة نظرك في هذه القضية، وبشكل ما أين تقف منها؟

أبوفاخرة: حسناً.. طبعاً خبراء العالم في العلوم الإنسانية والمفكرون حدّدوا مجموع من التساؤلات في هذه القضية، ولكن ما يهمني هنا هو أن أقول لك أن المجتمع عندما يستقر اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً يتحول الفرد فيه من بشر إلى إنسان، ويبدأ يعيش إنسانيته من تأمل وتفاعل راقي، وبذلك يفرز المجتمع مبدعيه الذين يرتقوا به ليرتقى بهم، بمعنى أي واحد يتخلف عن الركب ولا يحاول أن يجدد بغية الارتقاء والتجاوز والتجدّد ويبقى يراوح مع الزمن، فهذا هو التقليدي في نظري، ولكن الذي تفرزه التجربة ويرتقي بها ويرتقي بالآخرين الذين سيكونون عامل مساعد لرقيه هو أيضاً هذا هو المبدع الحقيقي والمتجدد.

محجوب: لنبقى في المسرح أستاذ فرج، وعن تجربتك الشخصية تحديداً، ما هي آخر أعمال أبو فاخرة؟

أبو فاخرة: أنا الآن لدي عمل ليونسكو، أو كما أحب أن أسميه “تخريف ثنائي”، وهي رسالة متواضعة من وجهة نظر عربي ليبي يعيش هذه الحالة المستعصية الآن، وعلى فكرة فإن هذا العمل كنت قد اشتغلت عليه وقدمته من قبل في سنة 1997 وقد طرحت فيه هذه الفكرة أو الجملة المعنية بالخراب والدمار، ولكنني الآن شعرت أن هذه الجملة لم تأخذ حقها بشكل جيد وقتئذ، ومرت مرور الكرام، أو ربما هذا التغير المفاجئ والكبير الذي أصاب المنطقة هو ما جعلني أفكر هكذا أو أنحى هذا المنحى، فأحسست بأن هذه الجملة يجب أن تعاد بثوب آخر لأنها كررت نفسها في الواقع الآن، وهذه قد تكون قراءة في مستقبلية الأعمال أو في رؤية الفنان، عموماً أكملت قراءتي عليها وبدأت وقطعت شوطا كبيرا من حيث التنفيذ وقريباً ستعرض وأتمنى أن تكون في المستوى، فهذه الرسالة ستتواجد في المحافل العربية بإذن الله، وأنا اعتبرها رسالة جيدة, رغم الظروف الصعبة التي نمر بها الآن، وبذلك علي أن أقدم شكري وتقديري الكبير لشركة واحة أم الغزلان التي تكفلت بإنتاج هذا العمل بإشراف الهيأة العامة للإعلام والثقافة، وطبعاً لا أنسى جهود الممثلين اللذين قاما بأداء هذا العمل وتحملا فرج بوفاخرة وهما الممثلة والمطربة الفنانة عائشة الماجري ويشاركها الفنان المتألق ناجي الشريف، وايضاً المناظر عقيلة الفارسي، وكل ذلك كان في ظروف لا تخفى عليك، فمثلاً نحن نشتغل بهذه الهمة والإصرار على الإنجاز تحت إيقاع عدم الاستقرار، وهذا يؤثر بشكل كبير على العمل الجماعي وهذا هو الفارق بالنسبة للعمل المسرحي عن الأعمال الإبداعية الأخرى التي لا تقع مباشرة تحت هذا التهديد لأن الشاعر من الممكن أن يختار زاويته أو إنفراده ووحدته لإنجاز عمله وكذلك الفنان التشكيلي أو غيره ولكن المسرح مرتبط بالاستقرار، استقرار المكان سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وهو مرتبط بعدد من المبدعين الذين يكمل أحدهم الآخر من أجل الإنجاز، إنه التجمع الذي يصعب تحقيقه في ظروف غير مستقرة.

محجوب: كيف يمكنك أن تختصر لنا هذا الـ”تخريف ثنائي”؟

أبو فاخرة: يمكنني أن أختصر لك كالآتي.. هو حوار بين صديق وصديقة كانا رفيقين، وحوارهما هو طبعاً رصد خطير للعالم وما يدور فيه، ولكننا نشعر من خلال حوارهما، أن كل منهما يغني على ليلاه، كما نعبر عادةً، ويعطينا انطباعاً عن كينونة المجتمع بوجود الرجل والمرأة، أو يمكننا أن نقول آدم وحواء مثلاً، وعندما يكون هذا الثنائي مختلفين وعلى نقيض من بعضهما يعطيك انطباعاً أن هذا العالم مقسم ومنشطر أو ربما متجه إلى هاوية، وهناك إسقاطات كثيرة وخطيرة في هذا الحوار عن الحروب الوهمية وعن أحداث كثيرة، ولا أخفيك إن بعض هذه الإسقاطات هي عما يجري حالياً أيضاً من أحداث، فرائحة المكان لابد أن تحضر وتنفذ إلى العمل، إنها حالة إنسانية على أية حال ويمكنها أن تتجدد وتتماهى مع كل ما يدور حولنا في هذا العالم، وعندما اخترت هذا العمل في 97 وأتيت به وأقدمت عليه، كان يجب أن أطعمه برائحتي أنا، خصوصيتي، لا أن أقدمه كما هو وإلا سيكون كلاسيك أو تقليدي لا يختزل روح الإفراز الإبداعي، أما الآن فقد رأيت أن أدخل عليه روح هذا العصر الذي اخترقنا بكل هذه القوة.

محجوب: ومن تجربتك الطويلة أستاذ فرج هل يمكنك أن تستقطع لنا هذه الفترة التي اخترقتنا – أقصد – منذ 2011 أو ما بعد سقوط حكومات المنطقة وحتى الآن، ما تأثيرها على الحالة الإبداعية.. هل هي فترة مغايرة بالنسبة لكم؟

أبو فاخرة: هنا يمكنني أن أقول لك أن المسكوت عليه تم الإعلان عنه.. بمعنى أنه عندما تسوء العلاقة بين الحاكم والمحكوم فسيطفو التآكل على السطح، ويبدأ بنخر أدوات الربط أو الترابط من كل جوانبها، وهذا التآكل سيصل المحيطين بالحاكم نفسه من ساسة ومثقفين…إلخ، وسيصبح السمة الواضحة والسائدة ولكن المسكوت عنها في نفس الوقت.. إذاً فلم يكن غريباً أن يحدث ما حدث، ولم يكن خارج حدود المنطق والعقل، على الأقل بالنسبة لي أنا شخصياً، وسأعيدك إلى عملي القديم الجديد وهو ليونسكو أو “تخريف ثنائي”، فقد قلت فيه جملة منذ سنة 1997.. “هذا العالم دمار”، لأني أحسست في داخلي أن هناك شيئاً غير سليم في محيطنا، وأننا كنا نعيش هذه الحالة من التآكل في كل أشيائنا، ومن الطبيعي أن الشعوب عندما تشعر بهذا التآكل وتعيشه فإنها ستفرز حالتها وتنهض لكي تعيد كتابة نفسها من جديد، وفي إعادة الكتابة هذه فإن المسؤلية دائماً تقع على الشخصيات الوطنية التي لا تتأثر بعلاقة الحاكم بالمحكوم، لأنها تملك الإستقلالية وتكون على علم بكل ما يحدث من تغييرات دون أن يؤثر بها، ولديها القدرة أن تقف في مواجهة هذا التبدل لتصوب الأمور وتلعب الدور الإيجابي، وهنا أنا أتكلم عن المثقف المبدع الحقيقي والصادق أي بمعنى المثقف الفاعل والمتفاعل لا الحافظ أو المردد. أما عن تأثير كل ذلك على تجربتي الشخصية أو حتى على حياتي فأنا يا صديقي أعتبر نفسي كمن يمسك بجذع الشجرة الأصلية بكل ما تحتويه من ثقافة وعرف ودين وغيرها من الأصول، وعندما تكون ممسكاً ومرتبطاً بهذه الشجرة الأصلية فإن الفروع لن تؤثر عليك ولن تعني لك الكثير، لأن الفرع الذي يخالف هذه الشجرة وطبيعتها سوف يحترق ويسقط، لذلك أنا مطمئن من هذه الناحية، ولن أخفيك في هذا الحوار الممتع إنني حتى في بيتي عندما أجلس إلى المائدة مثلاً فإنني ببساطة أرى وأجد كل الوزارات بما فيها من سياسة واقتصاد وثقافة على هذه المائدة.

محجوب: فرج أبو فاخرة مخرج مغاربي.. مارأيك بهذه الجملة، أو برأيك ما الذي يحملنا على قولها؟

أبو فاخرة: هي ربما تكون نقطة انطلاق لأي مبدع لكنها لا تصبح علامة وقف، وبالنسبة لنا هذا المغرب العربي بدوله وجغرافيته ما هو إلا امتداد لنا ويجمعنا وعاء واحد هو الوعاء العربي، وكثيراً ما كان إخوتنا في المشرق العربي يصرحون لنا ويقولون بأنهم يسبقوننا بسنوات على سلم الحضارة، وأيضاً كانت هذه الصفة “المغرب العربي” تطفو على السطح ويُروج لها، لكن الآن تغيرت الأمور كثيراً، وأنا أرى إن هذا يؤكد التنوع الذي يزخر به الوطن العربي وهذا شيء جميل وإيجابي ويساعدنا على رصد ما يمكننا تصديره للضفة الأخرى وفعلاً حان الوقت بالنسبة لنا كعرب لأن نجلس معاً لنُسمع الآخر ونُعلن عن وجودنا.

لقد كنت في سنة 1989 قد أسست فرقة المسرح المغاربي أنا والنجم المغربي عبد الحق الزروالي، ونشأت لدي علاقة كبيرة مع المثقفين والفنانين من تونس والجزائر والمغرب أيضاً موريتانيا، استطعت من خلالها إنجاز العديد من الأعمال المسرحية المهمة وهي بالنسبة لي تمثل رصيد من التجارب والأعمال المشتركة في هذه الساحة – ولا أقول الساحات- هذه الساحة والبراح الممتد تفاعلاَ يمكنه أن يفرز وينتج الكثير من التفاعل الثقافي والإبداعي الفاعل والمؤثر ثقافياً.

بالنسبة لتجاربي على المستوى المغاربي كان لدي عمل اسمه “اسمع يا عبدالسميع”، تأليف عبالكريم بورشيد (من المغرب) وبطولة عبدالحق الزروالي (من المغرب) والفنانة المرحومة منية الورتاني (من تونس) والفنان خيري الأخضر (من الجزائر) وكان هناك محمد علي (من موريتانيا)، ثم يليه عمل آخر اسمه “عودة ليلى العامرية”، شارك فيه نخبة من الفنانين مثل سعيدة الباعدي وعبدالرحمن بالشيخي، وقد لا أتذكر كل الأسماء لكن العمل كان مهماً وناجحاً، وعرض في ليبيا وفي تونس، ثم قدمت عمل “أنتم يا من هناك” واشتغلته في تونس، وكان من  بطولة النجم التونسي الفنان صالح الجدي. وطبعاً منذ تأسيسنا لفرقة المسرح المغاربي أصبحت لدي رغبة في محاولة ربط هذه الجسور والتحرك في مجال أوسع وأكثر تنوعاً، وربما هو الحنين لزمن يأبى أن يغادرنا، ففي زيارتي الأخيرة سنة 2014 لتونس وعند جلوسي مع الأديب الأسعد بن حسين، القاص الجميل والمشاغب،عاودنا هذا الهاجس واتفقنا على أداء عمل تولى هو كتابته، فخرجت مسرحية “حالات عربية” ترصد الحالات العربية الثلاث وهي الحالة الليبية والمصرية والتونسية، برؤية ونافذة ثقافية وليست سياسية وتم تنفيذ هذا العمل الذي عُرض أمام لجنة دعم العروض، وكنت سعيداً جداً عندما تم اختيار هذا العمل من ضمن العروض التي اختارتها اللجنة، وهو بطولة الفنان محمد الجريجي، الذي أسجل له كل الاحترام والتقدير، والفنانة المتميزة رانيا النايلي،  وكما أسجل شكري وتقديري للأستاذ جمال العروي، كان هذا العمل “حالات عربية” بإشراف جمعية “مسرح الجمهور”، وهنا أحب أن أعزي العائلة الكريمة عائلة المرحوم محمد عبدالجواد رئيس هذه الجمعية، وهو الفنان القدير والرائع ومن الشخصيات التي ساهمت في إثراء الحركة المسرحية في تونس وبالذات في دعم وتشجيع الهواة، ولذلك فإن العروض توقفت الآن نتيجة الارتباك الإداري وأتمنى أن ينتهي هذا الارتباك قريباً ويعود كل الحراك والتفاعل الثقافي إلى طبيعته.

محجوب: هل كانت بداياتك في الإخراج المسرحي محلية.. نريد أن نتعرف على رحلتك الإبداعية، هذه الرحلة الطويلة أين بدأت وإلى أين وصلت؟

15327790_1698663640447486_52803316_n
أبو فاخرة: كانت بداياتي في سنة 1985 في طرابلس، ولا يفوتني هنا أن أسجل شكري وتقديري للأستاذ طاهر القبايلي الذي أتاح لي فرصة، في ظروف صعبة جداً، كي أعلن عن نفسي كمخرج، وبالفعل بدأت من المسرح الوطني ذلك الوقت وقدمت مسرحية “تأخرت قليلاً يا صديقي” وكان من أداء نخبة من النجوم مثل عياد الزليطني ومحمد الساحلي وعيسى عبدالحفيظ ومحمد الطاهر وزهرة مصباح وعلي البوزيدي ويوسف الكردي، وقد كانوا نخبة حقيقية، وكان عملاً رائعاً وأنا أعتز به كثيراً. ومن ثم اشتغلت عملاً آخر اسمه “الواحة والجوع” للأستاذ عبدالله القويري، وكان بطولة الفنانة القديرة – ولا أخطئ إن قلت أمينة رزق ليبيا – الفنانة حميدة الخوجة، ثم انطلقت الأعمال بعد ذلك لأقوم بأول عمل تجريبي وهو “دائرة الشك” تأليف صلاح حمودة، وكان أيضاً بأداء نخبة من مثل صلاح الأحمر ومحمد بورنية ومجموعة من الفنانين، ثم توالت الأعمال فقدمت “تحولات مدينة”، وهو تأليف عبدالحق الزروالي وإعداد عطية باني وكان عمل يحاكي ويستحضر “حنظلة” للفنان ناجي العلي الذي كان يظهر في مساحات كبيرة للرؤية الإخراجية في أعمالي، ثم اشتغلت العمل المميز والذي أخذ نصيبه من العروض وهو مسرحية “توقف”، تأليف الأستاذ منصور بوشناف، وأداء سلوى المقصبي وحنان الشويهدي وناصر الأوجلي، وهو العمل المسرحي الوحيد في تاريخ المسرح الليبي الذي تحصل على جائزة عالمية في مهرجان البحر المتوسط في ايطاليا، وعندما عدت إلى ليبيا في ذلك الوقت لم يعرني أحد أي اهتمام ولم أحظى حتى بلقاء عابر، عموماً، اشتغلت مسرحية “تقلب” التي لم تعرض في ليبيا، ولكنها عرضت في تونس والقاهرة، وقد كانت عن نص “نساء بلا ملامح” للكاتب العراقي الأمين بن شيخة، و”تخريف ثنائي” كما سبق وتحدثنا عنه بأداء النجم الكوميدي الفضيل بوعجيلة، أيضاً اشتغلت في مصر عمل “أنا مين فيهم” أداء النجم محمد خيري والفنانة سميرة صدقي والفنان صلاح الشيخي من ليبيا طبعاً، وهو أيضاً عمل أخذ نصيبه من العروض المتوالية، أيضاً لا أنسى مسرحية “العطش” للكاتب عبدالله القويري التي اشتغلتها وقدمتها في مدينة طبرق، وتلك الفكرة المجنونة سنة 2000 التي كتبها عبدالله ياسين، فأضفت عليها وقمت بإعدادها واشتغلتها في عمل أسميته “المعهد العلالي للضحك”، وعرضت عرضاً واحد فقط ثم طمست لأنها كانت تحتوي على إشارات قوية وإسقاطات تأولت كثيراً في تلك الفترة. وأيضاً هناك مسرحية “عروس الغابة” مع يوسف خشيم ومحمد الدنقلي وعائشة مفتاح، وعملت للفرقة القومية “فندق الربابة” تأليف مقطوف المحمودي, و”كاتب لم يكتب شيئاً” لأحمد ابراهيم الفقيه، و”من يقتل من” بطولة محمد عثمان وبسمة الأطرش، وهناك يعض الأعمال الأخرى ربما لا تحضرني الآن في هذه العجالة إلا إن هذا ما قد اعتبره أهم المحطات في رحلتي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s