سيرة أب صورة وطن.. بيوغرافيا ليبيّة

8787

مريم عبدالله

السير الذاتية والبيوغرافيا نوع أدبي يكاد يكون غائباً عن المشهد الثقافي في ليبيا. والقليل الذي نجده على قائمة الإصدارات لا يتعدى رواية الأحداث السياسية بوجهة نظر أحاديّة تخفي أكثر مما تقول.

نحن اليوم أمام نص مختلف. إنه بيوغرافيا في شكلها العام، لكن السياقات التي تشكّل متن هذا النص متعدّدة ومتداخلة. ففي الكتاب الذي صدر مؤخراً عن صحيفة الأيام للإعلامية والكاتبة فوزية الهوني بعنوان “سيرة أب.. صورة وطن”، ربما نجد الكثير من السير المتضامنة، في بالأساس سيرتان متداخلتان ترويان قصتَّي أبٍ رحلَ (هو الحاج أحمد الصالحين الهوني) ووطن لا يستقرّ (هو ليبيا). وفي الأثناء تعضدهما سير ثانويّة أخرى: الكاتبة، الأهل، الأصدقاء، الأعداء، وبشكل شامل هناك خطوط عامّة لسيرة شعب بأسره.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول، هي:

الفصل الأول: سيرة وطن.

الفصل الثاني: : أنت أورثتني هذا الحنين.

الفصل الثالث: لا أحد يشبه أبي.

مع ملحق بمختارات من كتابات الحاج أحمد الصالحين الهوني في جريدة العرب، وهي منتقاة من مجموع كتاباته التي صدرت في عدة أجزاء، بالإضافة إلى مختارات أخرى بعنوان “في عيون محبّيه” منتقاة مما كتبه أدباء وصحفيون ومفكرون عاصروه وخاضوا معه بعض تجاربه العديدة. ويختتم الكتاب بملحق صغير يحتوي على بعض الصور والوثائق مختلفة الأزمنة والأمكنة.

في المشهد الثقافي الليبي لا نكاد نلمس كبير اهتمام بالخبرات الذاتية والمعرفة الخاصة بالأحداث وإدارتها من خلال نصوص مباشرة، بل من خلال التأريخ لبعض الشخصيات العامة وما يرتبط بها من أحداث. وغالباً ما يركّز أصحاب السير على شخصيات من السياسيين أو المشاهير في مجالات محدّدة يكونون قد أثّروا بهذا القدر أو ذاك في مسار الحياة العامة. فهم عادةً ما يقدّمون نصاً يختزل السيرة الذاتية لصالح التركيز بشكل أكثر على مسيرة أصحاب السير في مجالاتهم وحقولهم المختلفة، وقد تشتمل البيوغرافيا على سيرة موجزة إذا ما قمنا بمقارن النص بتفاصيل الكرونولوجيا السِّيَريّة، بينما يطغى المحيط العملي الذي شهد نشوء وتطور أفكار صاحب السيرة ونجاحه أو عدم نجاحه في تحويل تلك الأفكار إلى إنجاز أو إنتاج محدّد، أي قدرته على إثبات مصداق الحلم والرغبة والطموح بما يعادله من وقائع وأحداث.

في “سيرة أب.. صورة وطن” تسأل المؤلفة نفسها منذ البداية سؤالاً مفصلياً كان قد سأله الشاعر بابلو نيرودا: “ما الأصعب..  زرع البذرة أم جني الثمار؟..” هكذا تسعى المؤلفة مباشرة إلى توطين توقعاتنا لنظر في اتجا محدّد هو المستقبل، فنحن مقبلون على قراءة أحداث في الماضي، قياساً بطبيعة العمل، ولكننا نكون في الوقت ذاته مهيّئين للبحث عن إجابة هذا سؤال نيرودا: أيهما الأصعب؟ وهي بعد هنيهة تضاعف تشبّثنا بالبحث عن إجابة عندما تعود لتؤكّد لنا بكل حسم: “أعتقد أن سيرة الحاج أحمد تجيب على هذا السؤال”. ولعل في اقتباس هذا السؤال الشعري مؤشّر لا غنًى عنه يدلّ القارئ على رؤية المؤلفة وحرصها على أن لا تتورّط في التأريخ، بقدر ما تجعل سرد الأحداث الماضية حلقة وصل للذهاب إلى المستقبل بثقة المؤرّخ، وهي ثقة صارمة، وبمخيلة الشاعر القادرة على الانفتاح والتعامل بحميميّة مع موضوعها.

إن ما نطالعه في “سيرة أب .. صورة وطن” ليس سيرةً غيريّة، بقدر ما هو نوع تمتزج فيه الأنا (أنا المتكلّم) بذوات أخرى تنصهر فيها الذات الكاتبة. فهي تقول لنا بوضوح أن هذه السيرة ليست مجرد ذكريات، ولكنها رؤيا متكاملة، في الحياة والعلاقات والإصرار على الصوّاب أو الحق، ذلك أنها تمتحُ من معين لا ينضب، هو – كما تقول: “تلك القيم العظيمة التي أورثني إياها أبي”.

تستعيد الكاتبة طفولتها في أكثر من بلد: ليبيا، بريطانيا، مصر، تونس، وفي أمكنة أخرى قادتها إليها مختلف المسارات التي كان أبوها قد عبرها أو توطّنها، وفي الوقت نفسه تشرح فوزية الهوني للقراء الكثير والكثير عن مرحلة مهمة من تاريخ بلادها من خلال متابعة أبيها في مختلف التحوّلات التي قادتها إليه وظيفته كوزير وإعلامي وكاتب وأحد قادة رموز العمل الإعلامي ذوي التوجّه في بلاده. وهي تقوم بذلك من خلال صياغة ذاتية في خطابها ورؤيتها للمحيط، ولكنها غيريّة في رؤيتها وإحاطتها بتحولات ومستويات ذلك المحيط.

كصوت ذاتي يعرف القارئ أن الكاتبة سوف تنقله إلى متابعة حميميّة للموضوع الرئيسي لهذه السيرة (أي والدها)، تقول: “لا تعود بي الذاكرة إلى أزمنة الطفولة إلا ويحيط بي طيف أبي، وإذ أتذكره فإنني سوف أتحدث عن أيام طفولتي وتلك المرحلة الغضّة من عمري التي لازمته فيها، وكيف ترعرعتُ في كنفه، وكيف أعدّني بهدوء وهو يتابع تعليمي من طرابلس إلى لندن فمصر، ثم لم أفارقه بعد ذلك إلى أن غادرنا رحمه الله”.

لقد هيّئت القارئ إذن للتعرف على صور ذاتية مغرقة في ذاتيتها، ولكن الكاتبة تعود لتقول في أكثر من موقع من هذه السيرة أن سيرة الأب هي بشكل أو بآخر صورة الوطن في تحولاته وتبدّلات أوضاعه، ولا شك في أن تلازم العودة الدائمة للوطن مع انفتاح الذاكرة على حاضر – غائب على الدوام قد شكّل ذلك الإصرار الذي استقت منه المؤلفة عنوان كتابها. تقول في رسالة واضحة لقرائها: “هذا الكتاب ليس تعويضاً عن سيرة ذاتية مفقودة كان على الحاج أحمد أن يتركها لأبنائه وأهله ومحبيه في ليبيا والوطن العربي؛ إنه خواطر وذكريات وأحداث مرّ بها أبي، وبقدر ما أتحدث عنه فإنني أتحدث أيضاً عن نفسي وعائلتي وأصدقائي وشعبي. سيرة أبي بهذا القدر أو ذاك هي سيرة وطني وصورته في ذاتي”.

إننا كلما تابعنا القراءة رأينا هذين الخطّين متجاورين متلازمين يغذّيان بعضهما البعض فيتّحدان ولا يمكننا الفصل بينهما في معظم الكتاب. إنها بحق سيرة يمتزج فيها الخاص بالعام والذاتي بالغَيْريّ والأب الإنسان بالأب الوطن. فالكاتبة تتحدث عن والدها بدلالات متعددة، وهي – كما أسلفنا – دلالات متجاورة بحيث تلتئم الأنساق المتعددة هنا لتكوّن نسقاً واحداً، وفي العديد من لحظات السيرة يمتزج الحديث عن الأب باستدعاء الوطن، تلميحاً لا تصريخاً: تقول الكاتبة: “عرفت أحلامه ومجاهدته الدؤوبة لتحقيق تلك الأحلام في عالم لا تقوده الأمنيات والرجاء، بل تصنعه المثابرة والمبادرة، والإصرار على الحق. رأيته في لحظات انتصاره منتشياً بالفكرة التي تصبح واقعاً صلباً. ورأيته في لحظات الألم والانكسار وهو ينهض من جديد كلّما عاندته الصعوبات ولم تستجب له وهو يسعى من أجل تحقيق الأفضل. وفي الحالتين لم أكن أشاهده فقط، بل كنت أتعلّم درساً أساسياً لا غنًى عنه لكل من أراد أن يعي معنى أن يكون الإنسان موجوداً في هذه الحياة”. هذا الحديث الجيّاش المفعم بالحنين والنوستالجيا ينطبق في الآن نفسه على الأب الذي رحل وعن الوطن الذي غادرت الكاتبة فوزية الهوني.

“سيرة أب صورة وطن”.. كتاب جدير بالقراءة تستحق مؤلفته البارعة كل تقدير.

Advertisements