سيرة أب.. صورة وطن: خواطر وذكريات من سيرة أحمد الصالحين الهوني

00

العرب، 17 ديسمبر 2016، العدد 10488

صدر مؤخرا كتاب جديد بعنوان “سيرة أب.. صورة وطن”، وهو بيوغرافيا للكاتبة والإعلامية الليبية فوزية الهوني، تناولت فيه محطات بارزة من سيرة والدها الوزير السابق أحمد الصالحين الهوني. سيرة تستمد خصوصيتها من ارتباطها بأحداث وتواريخ هامة على مستوى الأحداث في ليبيا وفي العالم العربي، منذ أن كان الحاج الهوني وزيرا للإعلام في ليبيا، ثمّ حين اقتحم بلاط صاحبة الجلالة وأهداها “العرب”، أول صحيفة عربية يومية تصدر من أوروبا.

تونس – ليس سهلا أن يكتب شخص عن والده، خصوصا عندما تكون سيرة هذا الوالد سيرة وطن، وجزءا من تاريخ أمة. عندها سيكون لكل حرف وزن وتكون لكل كلمة قيمة ولكل تاريخ حساب. وقد يسقط في الإساءة بقصد الإعلاء من ذكراه، ويفقد الموضوعية وهو يتحدث عن مناقبه.

هذه الموضوعية تصبح مطلوبة بشكل أكبر عندما تتعلق السيرة بشخصيات الحديث عنها هو حديث عن تاريخ دول واستحضار لعلاقات، قد يكون بعضها خاصا، وبعضها الآخر لا يحتمل الإفراج عن تفاصيله دون مراعاة الخصوصية الزمنية، أو يحتاج إلى قلم محايد يكتب عن أحداث وتواريخ لا ينفصل بعضها عن أجواء الأزمات الراهنة.

وفي هذا السياق، صدر للإعلامية فوزية أحمد الصالحين الهوني، كتاب بعنوان “سيرة أب.. صورة وطن”، وهو بيوغرافيا تناولت في ثلاثة فصول، هي سيرة وطن وأنت أورثتني هذا الحنين ولا أحد يشبه أبي، محطّات رئيسية من سيرة الإعلامي والوزير السابق في ليبيا أحمد الصالحين الهوني.

تضمّن الكتاب ملحقا بمختارات من افتتاحيات صحيفة “العرب” وصورا ومختارات جاءت تحت عنوان “في عيون محبّيه”، وهي مقالات كتبها في ذكرى وفاته عدد من الأدباء والإعلاميين وتلامذته من أبناء العرب، الذين عاصروه في حياته السياسية والإعلامية.

من لا يعرف الحاج عن قرب، يجد في الكتاب سيرة مثالية وتفاصيل رائعة لشخصية عصامية نحتت اسمها في صخر التاريخ الليبي الحديث وتاريخ الإعلام والسياسة في العالم العربي؛ خصوصا في ما يتعلق بحدثين رئيسيين تجاوز أثرهما شخصية الهوني، هما ترؤسه لوزارة الإعلام في ليبيا، وتأسيسه لصحيفة “العرب”.

عن إنجازاته في مجال الإعلام، تقول السيرة “لم تكن تداعيات يونيو (نكسة 1967) قد انتهت بعد، ورأى الوزير أحمد الصالحين الهوني أن يعتمد على عدة خطوات جريئة من خلال وزارة الإعلام بهدف تهدئة الأوضاع داخليا، ووضع برنامج عمل استراتيجي أداره بكفاءة طيلة توليه الوزارة”.

في تلك الفترة، تم افتتاح تلفزيون المملكة الليبية (24 ديسمبر 1968). ثم أطلق أحمد الصالحين الهوني خطة إنشاء محطة إذاعية ثانية وبناء دار أوبرا في طرابلس. وقام بتفعيل المراكز الثقافية والإعلامية في مختلف المناطق الليبية. ورعى تأسيس فرقة الموسيقى الأندلسية التي توج نشاطها بتأسيس مجمع الموسيقى العربية، وغير ذلك من الآثار “المتميزة في تاريخ الإعلام والثقافة في ليبيا”.

في بلاط صاحبة الجلالة

الأول من سبتمبر 1969، تاريخ مفصلي في مسيرة ليبيا وفي حياة أحمد الصالحين الهوني. تقول فوزية الهوني، عن تلك الذكرى، إن والدها تلقّى في فجر ذلك التاريخ “اتصالا هاتفيا من ابن عمه المهدي الكاجيجي، مدير تحرير صحيفة الحرية، يخبره بقيام الثورة، فما كان منه إلا أن التفت إلى والدتي، وطلب منها إعداد حقيبته وإحضار سجادة الصلاة للمغادرة”.

لم يغادر الحاج ليبيا في ذلك الوقت، بل ذهب إلى سجن الأبيض، بتهمة “إفساد الحياة السياسية للبلاد”، وهي تهمة لم تجد لها المحكمة ما يدعمها فتم الإفراج عنه. لتبدأ حكاية أخرى، حلّقت تفاصيلها من بلاد المغرب العربي إلى المشرق، من الخليج العربي إلى أوروبا. وترسّخت في عاصمة الضباب لندن، حيث ولدت “العرب” عام 1977.

انطلق الحاج في رحلته، متسلحا بإيمانه بصواب رؤيته، ومدعوما بعائلته، وعلى رأسها الحاجة، زوجته التي رافقته طوال مسيرته وكانت خير عضد له. تحملت أعباء مضاعفة، فهي الزوجة والأم والأب، وهي الأمل عندما تصعب الظروف، كان يرى فيها الوطن.. ليبيا.

ولأن من يذكر أحمد الصالحين الهوني يذكر “العرب”، كان طبيعيا أن يحوز الحديث عن أول صحيفة عربية تصدر من المهجر، الجزء الأكبر من الصفحات الـ25 التي تختصر الفاصل الزمني الممتد من سنة 1929 إلى 2006، والذي يناهز سبعا وسبعين سنة، هي عمر الحاج أحمد الصالحين الهوني.

في جو مشحون بالأزمات قرّر الحاج أن يطلق أول صحيفة عربية تصدر من أوروبا؛ مغامرة زاد من إثارتها أن هذه الصحيفة تصدر من مدينة تصنّف على أنها من أهم عواصم الصحافة العالمية، لندن، لتكون بحق مغامرة مزدوجة: صحيفة عربية قومية بتمويل ذاتي وتصدر من بلاد المهجر في وقت لم يتطوّر فيه بعد مفهوم صحافة عربية في الخارج وكانت مختلف الحكومات العربية غارقة في بحر من الأزمات.

“العرب” مشروع طموح لم يتصوّر كثيرون، حينها، أنه قادر على الصمود وأنه سيتواصل، ليبلغ اليوم من العمر تسعا وثلاثين سنة. ومازالت “العرب” تواصل مسيرتها، بل وتبني صروحا إعلامية أخرى بعد أن تجاوزت سنوات العراقيل والمؤامرات التي نسجتها ضدها لا مؤسسات منافسة بل دول وحكومات.

الجزء المخصص للحديث عن الحاج و”العرب”، هو أكثر أجزاء الكتاب إثارة للجدل وإثارة بالتفاصيل، التي تحث على البحث بشكل أكثر موضوعية وابتعادا عن الشخصنة. تطرقت هذه الصفحات إلى علاقة الحاج/العرب بالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي لجأ إليه عندما ضيّق عليه النظام في ليبيا الخناق في الثمانينات من القرن الماضي، فكانت الإمارات لسنوات محل إقامة الحاج الهوني.

وتركز على العلاقة مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين والموقف من غزو الكويت، وتأثيراته على العلاقة مع المملكة العربية السعودية، حيث “حسبت العرب وصاحبها ضمنيا على النظام العراقي، وهو أمر لم يكن الحاج ليتنصّل منه، بل يعتبره امتدادا لرؤية استراتيجية، لم يتردد في وصفها في ما بعد بأنها كانت مفرطة في بعض جوانبها بالطوباوية والحماس القومي”.

وتتوقف السيرة عند المرحلة الأخيرة من حياة الحاج، حيث حط الرحال في “الجناح الغربي من الوطن العربي”، في تونس، “التي أحبّها دائما”، ومنها رحل إلى مثواه الأخير في ليبيا. وتسهب الكاتبة في الحديث عن تفاصيل العلاقة الشخصية بين الحاج والرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي.

سيرة ذاتية

تختم الكاتبة السيرة بفصل حمل عنوان “لا أحد يشبه أبي”. بدا هذا الجزء أقرب إلى القصة الذاتية تبث من خلاله فوزية الهوني شوقها لوالدها، عبر تفاصيل شخصية عن اللقاء الأخير، قبل “ساعة الرحيل، الساعة القاسية والباردة التي يخضعها الليل لكل المواعيد”. على وقع كلمات بابلو نيرودا انتهت الفصول الثلاثة الأولى من “سيرة أب.. صورة وطن”.

من يعرف الحاج قد يرى أن هذه الفصول الثلاثة القصيرة لا تفي العنوان الكبير الذي حملته البيوغرافيا حقه، وهو “سيرة وطن”. لكنه قد يجد في كون كاتبة السيرة ابنة تحنّ إلى أبيها مبررا للقفز على بعض المعطيات وتضخيم حدث على آخر أو ذكر تفاصيل دون أخرى.

وتعترف فوزية الهوني بأن هذا الكتاب “ليس تعويضا عن سيرة ذاتية مفقودة كان على الحاج أحمد الصالحين الهوني أن يتركها لأبنائه وأهله ومحبيه في ليبيا والوطن العربي”. وتقول “إنه خواطر وذكريات وأحداث مرّ بها أبي، وبقدر ما أتحدّث عنه فإنني أتحدث أيضا عن نفسي وعائلتي وأصدقائي وشعبي. سيرة أبي هي سيرة وطني وصورته في ذاتي”.

تم تأثيث الجزء الثاني والرئيسي من الكتاب، بمجموعة هامة من افتتاحيات الحاج في صحيفة “العرب”. وجاءت هذه المقالات لتضفي بعضا من الموضوعية التي ضاعت في ثنايا التفاصيل الشخصية. وتقدم السيرة ما هو مطلوب أن يعرفه القارئ والذي رغب الحاج في أن يكشفه ويعممه، وهو الحديث عن مختلف التحديات التي يواجهها العرب من مخططات “الثعلب الإيراني والذئب التركي”، و”سقوط أسطورة الإرهاب الفردي” و”أسباب ولادة العنف: الدكتاتورية وعودة حكم الفرد والفساد”، و”حضارة العراق وحداثة أميركا”، و”مؤتمر الأقليات دسيسة استعمارية” و”الطاقة الشمسية والمستقبل” وغير ذلك من المواضيع التي تحدثت عنها افتتاحيات “العرب” ولا تزال، في نسق يواكب تطور هذه التحديات دون أن يقطع مع الثوابت التي تأسست عليها.

Advertisements