العودة إلى فرانز فانون

1

عبدالحميدعبد القادر

يشبه فرانز فانون جيل الاندماجيين الجزائريين. عايشَ مرحلة الإيمان في المنظومة الثقافية الغربية، لما شارك كجندي في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية. ثم انتقل لمرحلة فقدان الثقة في هذه المنظومة، وقرر الالتحاق بركب الفكر التحرري.

ولد فانون في ”المارتينيك” سنة 1925، لكنه اختار الجزائر، أو بالأحرى اختار فكرة الثورة والتحرر من العقلية الاستعمارية، على خلاف خيار مسقط رأسه الذي فضل حلا اندماجيا في المنظومة الكولونيالية، بعد أستاذه ايمي سيزار.

ليست ”المارتينيك”، هي وحدها التي لفظت فانون، فالمؤسسة الثقافية والجامعية الفرنسية رفضت بدورها أعماله، وتعمدت تهميشه. ففي العام 1952 أراد أن يناقش رسالة تخرج بعنوان ”بشرة سوداء.. قناع أبيض”، لكن إدارة الجامعة رفضتها، فنشرت في كتاب بمنشورات ”لوسوي”.

لا يحظى فانون بمكانة تليق به في المنظومة الثقافية الفرنسية حاليا، ففي العام 2002 نشر المفكر الفرنسي باسكال بروكنر، وهو أحد أقطاب اليمين الجديد في فرنسا، كتابا بعنوان ”زفير الرجل الأبيض”، وجه من خلاله نقدا لاذعا للفكر التحرري الذي انتشر في العالم الثالث، وقدم فانون وفكره في صورة كاريكاتورية، حصرت فكر الرجل في مسألة ”العنف كضرورة”. ورأى بروكنر في المقدمة التي وضعها سارتر لكتاب فانون ”المعذبون في الأرض” بمثابة ”مازوشية” و”ديماغوجية” مليئة بالحقد تجاه الغرب. واعتبر أن فانون يدعو إلى نشر العنصرية تجاه الإنسان الأبيض.

إن الفكرة المهمة في مؤلفات فانون، وبالأخص كتاب ”بشرة سوداء.. قناع أبيض” هي خيار الفكر الإنساني، ورفض رد عنصرية الرجل الأبيض بعنصرية الرجل الأسود، والسعي لإيجاد ”إنسان جديد”. لقد دافع فانون عن وضعيته كإنسان حر، ورفض الانغلاق في اثنية معينة أو جماعة اجتماعية ما. وهذا ما أدى به إلى رفض الانخراط في تيار ”الزنجية” الذي أسسه أستاذه ايمي سيزار وليبولد سيدار سينغور.

إن فانون مهم اليوم، لأنه كان يعتقد أن الاستعمار (المتجدد)، باعتباره شاملاً، يسعى لتمزيق وتشويه الحياة الثقافية للشعب الخاضع للاستعمار. ويتحقق هذا المحوُ الثقافي بواسطة تكسير الواقع الوطني.

يرتكز الفكر ”الفانوني” كفكر نضالي، على قدرة شعوب العالم الثالث على فرض ذاتها، وصناعة تاريخها وتقرير مصيرها بنفسها. وعليه لا نندهش لما ندرك أن المثقفين العراقيين هم أكثر المثقفين العرب اهتماما بفرانز فانون اليوم، فقد وضعوه في سياق آني لتجاوز معضلة الاحتلال العراقي. فهذا الشاعر سعدي يوسف يكتب مقالا بعنوان ”فانون وثقافة التحرر”، جاء فيه ما يلي: ”بعد أن أمسى العراق مستعمرةً، بالفعل، وعلى الطريقة الكلاسيكية جداً (احتلال عسكريّ دائمٌ واستيلاء على الثروات)، تجد الثقافة الوطنية نفسَها في وضعٍ غيرِ مساعِدٍ في الأقل، إزاء ثقافة المحتلين ومشاريعهم في الهيمنة الفكرية عموماً ، إضافةً إلى الهيمنة العسكرية والاقتصادية.

ومن وجهة نظر سعدي يوسف، فإنه من النافع أن يتابع العرب نماذجَ من المقاومة الثقافية، فكتاب ”العام الخامس للثورة الجزائرية”، يعد بمثابة درس في المقاومة الثقافية.

إن أفكار فانون ترفض الموت وتصر على البقاء، فالمظالم التي كان يدينها ويرفضها بقوة وحيوية، مازالت قائمة حتى اليوم.

Advertisements