قلب الهايكو للشاعرة الأمريكية جين هيرشفيلد

1

مأمون الزائدي

في هذا الإطار الفاني الذي يحويني، والمصنوع من مئات العظام وتسعة فتحات، هناك شيء، وهذا الشيء أسميه روحا تعصف بها الرياح، لعدم وجود اسم أفضل، ولأنه يشبه إلى حد كبير أقمشة رقيقة تمزقها وتبعثرها أدنى عصفة للريح. هذا الشيء في داخلي استغرق سنوات لكتابة الشعر، لمجرد تسلية نفسه في البداية، ثم جعله شغل حياته في النهاية . ولا بد من الاعتراف، مع ذلك، أنه مر بأوقات غرق فيها في الاكتئاب بحيث صار مستعدا تقريبا للتخلي عن مسعاه ، وأوقات أخرى كان منتفخا بالزهو كي يفخر بانتصاراته العبثية على الآخرين. في الواقع، منذ أن بدأ بكتابة الشعر، لم يسبق أبدا أن وجدا سلاماً مع نفسه، ودائما ما كان يتردد بين شكوك من نوع وآخر. يريد من جهة الحصول على الأمن من خلال انضوائه في خدمة بلاط ، وتارة أخرى يرغب في قياس مدى جهله بمحاولته أن يكون عالما، ولكنه مُنع من كليهما بسبب حبه الجامح للشعر. والحقيقة هي أنه لا يعرف فناً آخر غير فن كتابة الشعر، وبالتالي، فهو يتعلق به بشكل أعمى نوعا ما .


ماتسو باشو، مذكرات حقيبة سفر بالية
(ترجمة. نوبويوكي يواسا)

كتب ماتسو باشو هذه الجمل في العام 1687. وكان في الثالثة والأربعين. حينها، كانت”روحه القلقة التي تعصف بها الرياح” قد جددت بشكل كبير شكل الأدب الياباني، عن طريق جعل بيت الشعر يكتسب شكلا بالغ الإيجاز لا يسبر غوره تقريبا، و حولته إلى أداة معدومة الوزن و صلبة لاستكشاف التصور الدقيق و الاعماق الصمغية للحظة الواحدة .
وهنا بعض اللمحات المعروفة جيدا:

بركة قديمة:
ضفدع يقفز في
صوت الماء

الصمت:
صرخة الزيز
تتسرب إلى الحجر

الربيع يرحل
الطيور تبكي،
عيون السمك مليئة بالدموع

ذبابة الخيل
بين الأزهار
لا تأكلها، ياصديقي الدوري

في سوق السمك
حتى لثة الشبوط المملحة
تبدو باردة

أعشاب صيف:
ما تبقى
من أحلام المحاربين

في قصائده وفي تعاليمه للشعراء الآخرين، يضع باشو سلفاً ، تذكيرا بسيطا ومفيدا للغاية: أنه إذا كنت تنظر بنفسك، وتسمع بنفسك، وتدخل عميقا ما يكفي داخل هذه الرؤية والسمع، فإن كل شيء سيتحدث معك ومن خلالك. “لتعرف المزيد عن شجرة الصنوبر”، يخبر طلابه “، اذهب إلى شجرة الصنوبر. ولتتعلم من الخيزران، أدرس الخيزران. ” كان يجد في كل حياة و في كل شيء إمكانات متساوية للتبصر والتوسع. الموضوع الجيد للهايكو، كما يقترح، هو الغراب الذي يلتقط بزاقة الطين من بين النباتات في حقل الأرز . عند رؤيته بحق، كان يعتقد ، ليس فيه ما لا يصبح زهرة، او قمراً. “ولكن ما لم يُنظر إلى الأشياء بعيون جديدة”، يضيف، “فلا شيء يستحق الكتابة أبداً.”
هائماً طوال حياته سواء بالجسد أو بالروح، شغل باشو نفسه بوجهته أقل من شغلها بجودة انتباهه كمسافر . قصيدة، يقول : توجد فقط حين تكون على طاولة الكتابة. في الوقت الذي يجف فيه حبرها، ينبغي اعتبارها مجرد قصاصة من الورق. في الشعر كما في الحياة، كان يرى كل لحظة مثل بوابة بمزلاج. النفاذية مهمة أكثر في هذه العملية من المنتج أو الارادة : “إذا كنا نرغب في اكتساب السيادة على الأشياء، فسنجد أن حياتها تتلاشى تحت أقدامنا دون أن تترك أثرا.”

شكل الهايكو الذي كتبه باشو هو الآن مألوف منذ فترة طويلة عند القراء الغربيين: قصيدة الصورة القائمة على سبعة عشر وحدة صوتية ، ويكتب في سطور من خمسة، وسبعة، ثم خمس وحدات لكل منها. (اليابانية بالمقابل تتوافق فقط بشكل تقريبي مع المقاطع اللفظية في اللغة الإنجليزية ،على الرغم من أنه يتم استخدام تلك الكلمة عموما عند ترجمتها، وفي شأن مماثل، “سطور” الشعر اليابانية تُسمع، بدل أن تُكتب في سطور منفصلة بصرياً على الصفحة، ومع ذلك معظم ترجمات الهايكو الإنجليزية، كما هي هنا، توجد في شكل ثلاثي الأسطر ) ومن المعروف على نطاق واسع بمزيد من التفصيل في الغرب: يجب على القصيدة استحضار زمن معين بالإسم أو بما يصحبه . الهايكو شكل مرّحِب ، ويدرّس في كثير من الأحيان في فصول المدارس الابتدائية. في دليل على كلاً من محدودية أي موضوع وليونة العقل الهايكو، كُتب أكثر من 19،000 هايكو حول اللحم المعلب – سبامكو -إلى هذا التاريخ وتم نشرها على الانترنت. أن تكتب أو تقرأ فقط بهذا المفهوم هو ان تعود إلى ما كان عليه الهايكو قبل ان يقوم باشو بتغييره : ” شعر لعوب” هو المعنى الحرفي للكلمة. باشو طلب أكثر من ذلك: أن يجعل من هذه الاداة الشعرية الوجيزة، والمرحة أنواعا من الاكتشافات العاطفية والنفسية والروحية التي عاشها في أعمال الشعراء السابقين . انه يريد تجديد الرؤية الإنسانية عن طريق وضع ما رآه في عدد قليل من الكلمات العارية والتي في معظمها كلمات عادية، وكان يريد أن يجدد اللغة من خلال ما طلب منها رؤيته .
الشيخوخة التي تعلن عنها حساسية سن تسقط. قردُ فنان الشارع. ظواهر العالم الطبيعية؛ الامتحانات الخفية للعقل والمشاعر، كلها تُنقل في هايكو باشو من مجرد ما يبدو جرّة فرشاة الحبر:

أن نشيخ:
نتناول عشباً بحريا،
فتسقط سن على الرمال

أول هطول لمطر الشتاء :
قرد الشارع، أيضا،
يفتش عن معطفه القشي الصغير

سواد بحار،
نداءات البط البري
تعلو شاحبة البياض

هلال القمر :
يشبه أيضا
اللاشيء

حتى في كيوتو،
سماع الوقواق،
يجعلني أتوق الى كيوتو

الهايكو لدي باشو، ككل، يجري فحصاً مطولاً لما يمكن أن يقال ويُعرف بالصورة. عندما يختفي الفضاء بين الشاعر و الشيء ، يعتقد باشو، فإن الكائن نفسه يمكن أن يبدأ في أن يصير محسوسا بشكل كامل. من خلال هذه الرؤية الشفافة، يصير وجودنا أكبر.”النباتات والأحجار، والأواني، كل شيء لديه مشاعره الخاصة ، مشابهة لتلك التي للإنسان “، يكتب باشو. هذا البيان منذراً قبل ثلاثة قرون من نظرية ت.س.إليوت عن التلازم الموضوعي : أن وصف أشياء معينة يثير فينا مشاعر مقابلة.
الجمالية الصورية التي أدخلت على الشعر الغربي قرب بداية القرن العشرين من قبل عزرا باوند، آمي لويل، وليام كارلوس وليامز، وإليوت هي في عمقها جزء من الشعرية الحالية التي يقر عدد قليل الاعتراف بأصولها التاريخية في آسيا. واصل الهايكو في شكله الصارم رسم العديد من الكتاب الامريكيين المعاصرين كذلك، من الشاعر ريتشارد ويلبر إلى الروائي ريتشارد رايت، الذي كتب آلافا من نصوص الهايكو خلال سنواته الأخيرة. المغناطيس هو المفارقة في نطاق الهايكو وسرعته . في لحظة إدراك الهايكو، يُرى شيٌء خارجي، يسمع، يذاق، و يحس مزروعاً في مشهد أو سياق. ذلك التصور الجديد بعدها يُبذر في استجابة داخلية تتجاوز إعادة الصياغة، أو الاسم، أو أي شكل آخر من أشكال الاحتواء.
هنا واحد من ذلك الشعر ، موضوعاً في تصور موضوعي:

الغسق: أجراس هادئة،
حلقات عطر
تعصف ليلا من زهور

هذه القصيدة تعيش بكاملها تقريبا في الأذنين والأنف، في الحس بالخارج بشكل دقيق، رائحة أزهار أشجار معينة تتقوى عند حلول الظلام، أشجار البرتقال (قوية الرائحة ليلاً ) تحيط المعبد في أوينو، حيث تمت كتابة هذا الهايكو . تُظهر الكلمات أسلوب تخليق الحس المميز لباشو : صوت جرس وشفق، رائحة الزهور والوقت، ترسم معا في الذهن ، وتوضع في علاقة تبدو غير تعاقبية ولا سببية. لا يمكن توصيف الشعور بهذا الهايكو إلا بتكرار كلماته الخاصة. مركز ثقله يكمن في العالم الظاهر ،خارج الذات. ومع ذلك يحمل رائحة و وزن شعورٍ قوي.
يمكن لأدراك الهايكو المضي في الاتجاه الآخر أيضا. الفكرة والعاطفة، أو الظرف الموجود بالفعل في العقل يمكن تبريده ، أو تسخينه ، أو أن يُبلل بتموضعه في مشهد خارجي، أو كائنٍ، أو صوت. هذه قصيدة متأخرة والتي يبين عنوانها – كما كتبه باشو – صورتها كنص ذاتي دون لبس :

“وصف ما أشعر به”

هذا الطريق
حين حلول الظلام في الخريف
لا أحد يمشي فيه

يصف الهايكو حالة الشاعر الداخلية من دون تقدمة تفسيرية، لا تبدو كلماته أقل مظهرية من تلك القصائد السابقة. فكيف ينبغي أن تُفهم إذن ؟
كي تقرأ الهايكو عليك أن تصبح مؤلفا مشاركاً فيه ، وأن تضع نفسك داخل كلماته حتى يمكنها أن تكشف عن واحدة من الاشكال المتقلبة-لحياتك الخاصة. الخبرة الناتجة عن ذلك قد تختلف أيضا على نطاق واسع بين القراء: الهايكو القائم على لغة الصورة يتيح حرية لا حدود لها تقريبا في التفسير. وقد كتبت قرب نهاية حياة باشو ” هذا الطريق” يمكن أن تُقرأ على أنها قصيدة للوحة تظهر مشهد الوحدة أو كقصيدة تتطلع نحو موتٍ غير مُرتاد . ويمكن أيضا أن تُقرأ كبورتريه مباشر وفوري : مساء الخريف غير المأهول والطريق الخاوية قد تكون الشاعر وما يشعر به . مفهوما بهذه الطريقة الأخيرة، يعرض الهايكو كاتبهُ كشخص خارج أي معنى لذاته الشخصية. و قد سقط في عالم لا يوجد به مشاة ، بل الطريق فقط.
المسارات تُهم باشو، الذي يمكنه – مثل وردزورث أو جون موير قطع عشرين أو ثلاثين ميلا في اليوم سيراً على الأقدام. في شبابه، يبدو انه سافر فقط كلما تطلبت الظروف. في منتصف عمره، سافر مختاراً ذلك ، اقتداء بشعراء جوالون سابقون كان معجبا بهم . وبحلول نهاية حياته، كانت سياحته تكشف عن قلق لايقاوم ، وهو عجز بسيط على البقاء لفترة طويلة داخل المنزل. في الكلمات الافتتاحية من “الطريق الضيق للتوغل شمالاً “، وهو نثر و يوميات هايكو تصف رحلة لما يقرب من 1500 ميل قطعها سيرا على الأقدام، وعلى قارب، وفوق ظهور الخيل في سن الخامسة والأربعين، كتب باشو “، والقمر والشمس مسافرين لمئات الأجيال. السنين، تأتي وتذهب، والسائحون كذلك . يمضون حياتاً على غير هدى على متن قارب، يحيون العجائز بينما يمسكون لجام الحصان بالفم – لمثل هؤلاء الأشخاص، كل يوم هو رحلة، والرحلة في حد ذاتها تصبح وطناً “.

Advertisements